الموسيقار مارسيل خليفة: التصنيف الفني «اغتيال» لحريتي ولا أرغب في «أتباع»
- «الحضارة» لحظة تمرد ثقافي وفكري
- الثورة الناجحة تطعم شعبها «الفرح مع الخبز»
- كونشرتو الربابة «رسالة حب لروح الأبنودي»
- لا يمكن لمشروع «رامي وبشار» الانفصال عن موسيقاي
- نعاني من «الجهل» الموسيقي رغم أبدية «النوتة»
- الموسيقى عزف ذاتي.. والمهرجانات قارب النجاة
- مجتمعاتنا «تطفح» بالفحولة.. وأنمي داخلي الحس الأنثوي
- لا أمتلك الحماس الكافي لتلحين «كتاباتي».. والكتاب أفضل لها
"كم يبدو الهم الفني تافها حين تصبح الحياة بمعناها الغريزي البسيط هي الهم.. وكم يبدو الكلام عن الموسيقى والرقص والتجديد والتقليد شأنًا صغيرًا سخيفًا حين نعيش في بلد لا نعرف فيه غير الدمار والقتل ونعيش الخوف والموت، ولكن لا بدّ أن نحلم بعالم أفضل وبقليل من الأوكسجين طالما أن الشمس تسقط في البحر والبحر يحملها والقمر معلق فوق الجبال ويكبر على أغصان الشجر.. أيتها العاصفة هل للعصافير ركن تحت الأشجار؟".
ربما لم يجد الموسيقار الكبير، صاحب الكلمات السابقة، مارسيل خليفة، إجابة شافية عن سؤاله إلا في خضم الموسيقى؛ حيث عوده القريب جدا إلى قلبه، وأنامله المتنهدة على أوتار ذلك العود، يضرب كل واحد منها على مهل، فيرتعش فؤاده من فرط العشق، كأنه يذوب.
"مارسيل" يبقى دائمًا حالة فنية فريدة لم يكن للزمان خلقها لمرتين، فلن يتحمل ذلك الكون عصفورين يصدحان بصدق في آن واحد.. ترى الشيب، ترى نصيبه ومآثره على وجهه، إلا أن الصبي الصغير ما زال قابعا في صدره وغير قادر على التخلي عنه، ولا ترك عينيه اللامعتين حين تدق الموسيقى أبواقها.
"مارسيل" فتح قلبه لـ"فيتو" وكان الحوار التالي..
* "الربابة".. الآلة التي جعلتها تتربع عرش الأوركسترا في حفلك الأخير بدار الأوبرا المصرية.. فلماذا الربابة على وجه الخصوص؟
"الربابة" مزيج سحري بين الأمل والألم، تلك الآلة القابعة في الصحراء الموسيقية، ولا أحد يلمس يدها لتعود إلى حيز المسرح، وللربابة مذاق خاص عند العرب؛ لأن صيحاتها تعلو في الشعر العربي القديم.
* اخترت "كونشرتو الربابة" خصيصًا ليكون في حفلك بمهرجان الموسيقى العربية 2015، فهل لهذا الاختيار علاقة بمصر؟
نعم بالطبع، اخترتها لأن الربابة في الأساس آلة موسيقية مصرية، تنبع من الصعيد المصري، ذلك الصعيد الذي خرج من كنفه الشاعر عبد الرحمن الأبنودي الذي كان يحمل المهرجان اسمه في دورة 2015، لذا وجدت أن الكونشرتو بمثابة تكريم له ورسالة حب مني أبعثها إليه.
* غنيت للثورة، وحملتها على عاتقك الموسيقي بشكل مختلف، فكيف ترى أغاني الثورات اليوم وطريقتها في المقاومة؟
لا أستطيع قبول الثائر الذي يحصر نفسه ويحصر أغنية المقاومة أو ما يُعرف بالأغنية الملتزمة في إطار واحد أو قالب متحجر، فالفنان الثائر عليه أن يكون منفتحا على الآخرين وعلى الثقافات المختلفة؛ ليكون دائمًا على استعداد لتلقي جميع الاحتمالات.
ووجهة نظري، أن الثائر الحقيقي هو الذي يقدر معنى الثقافة والقراءة، فعندما كان جيفارا يشق طريقه وسط الأدغال مع رفاقه، لم يتعب من حمل البندقية، بل تعب ورفاقه تعبوا أيضا من حمل الكتب التي كانوا يحاولون نقلها في خلال تنقلاتهم، وكان جيفارا يفرض على الثوار القراءة ليتثقفوا.
* هل تمكنت الثورات العربية من إحداث حراك في الفن والأدب والموسيقى؟
نعم بالطبع حدث تغيير وحراك خفيف، نرى أثره بين عدد من الموسيقيين والمطربين الشباب، فالحضارة عبارة عن لحظة تمرد تقترن تلك اللحظة بالقالب الثقافي والإبداعي والفكري للمجتمع، إلا أن الأثر الذي سيتركه هذا الحراك يحتاج إلى بعض الوقت حتى تنضج ثماره، أي أننا سنشعر بهذا التغيير على المدى الطويل.. والثورة الناجحة تطعم شعبها «الفرح مع الخبز».
* كيف ترى واقع الأغنية العربية اليوم.. وأين يقف الفنان العربي؟
الأغنية العربية في مأزق ووضع صعب للغاية، فقد أصبح بين المطرب والجمهور مسافة كبيرة لا تفسير منطقي لها، كأن يخرج المطرب في أغانيه بسيارة فارهة، ناهيك عن مدى السطحية والاضمحلال التي غاصت الأغنية العربية في وحله.
* إذن.. كيف يمكننا إنقاذ حال الموسيقى العربية؟
يمكننا ذلك من خلال إنتاج الموسيقى المختلفة، التي ترتبط بالوجدان والمشاعر، وهناك تجربة أثمنها جدًا وهي مهرجانات الموسيقى التي أصبحت منتشرة في كل عاصمة عربية، أرى أنها تجربة تثقل من أهمية الموسيقى وتدعمها بشكل كبير؛ لأنها تسقي العطاشى للموسيقى اللائقة.
* بعد مسيرتك الطويلة تلك.. هل ترى الثقافة الموسيقية تمتلك الجمهور الذي تستحقه؟
الثقافة الموسيقية ضعيفة جدًا ويمكن القول إنها مفقودة فعليًا، ومن المهم إيقاظ وعي الناس لها، فالموسيقى هي الأقل معرفة من قبل الناس، لذا هناك نوع من الجهل المتعلق بالموسيقى، ولهذا نرى مستمعين محافظين للغاية لا يريدون موسيقى جديدة، يريدون فقط ما علق في ذهنهم من قوالب الماضي أكثر مما يريدون الجديد، وقليلون هم من يعرفون الموسيقى وقد جعلوها جزءًا من حياتهم، فعلينا أن نخلق سبلًا للاستماع وجعل الموسيقى سهلة المنال.
* هل تؤمن بتصنيف الفنان إلى مطرب ثوري وآخر رومانسي.. وهل تتقبل فكرة تصنيفك من الأساس؟
حقيقة.. أكره تلك التصنيفات جدًا، أن يوصف فنان بالغزل وآخر بالفخر والحماسة، فهذا شيء لا يمكن تطبيقه على الأرض، فإن الفنان الحقيقي يكون فنانا شاملا، يحمل في صدره الغزل والألم والضحك والدمع.
وبالنسبة لي أرفض أن تُعيَّن لي صفة أو تصنيف، فلا يمكن أن تنتظر مني نتائج معينة للموسيقى، أحب الاختلاف الذي ينبع من إيماني وعشقي للحرية، والحرية هي أن تكون غير مصنف ولا متوقع.. فإن قبلت تلك التصنيفات والتوقعات سأصبح وقتها مقيدا بأغلال ذلك التصنيف، والموت وقتها أرحم!
* أعمالك الموسيقية ارتبطت دائمًا بالمرأة، حتى الثورية منها.. فما هي المرأة بالنسبة لك؟
المرأة هي الوطن والدنيا، أحب فيها البساطة والعفوية والتلقائية المحببة، أشم فيها رائحة الياسمين، وتحرك في قلبي شغف الموسيقى والحب.
* ذكرت في أحد لقاءاتك أنك تكره الفحولة، وتنمي داخلك الحس الأنثوي.. ففسر لنا الأمر؟
نحن نعيش في مجتمعات تطفح بالفحولة والذكورية، وأنا أبغض ذلك، لذا اعتدت منذ طفولتي على تنمية طاقتي الأنثوية، أن أستطيع قص أجنحة الفحولة المزعجة والمدمرة داخلي كي لا تطير، وكانت هذه الطاقة الأنثوية تأخذ في كل مرحلة من مراحل حياتي طابعًا أعمق.
* بصراحة.. ما الشيء الذي يخشاه مارسيل خليفة؟
أن يموت الأمل.. وأن يفقد الفنان قدرته على الحب واحتضان آلته الموسيقية وسط هذا الكم الهائل من مشاهد الرعب اليومية المكونة من الغربان والدماء والجثث والأنقاض.
كما أنني أخاف أن يبدو طريق الحب والشعر والثقافة مستحيلًا، أن يزداد الجنون وتعجز الحقيقة عن النبوغ وسط حقارة الواقع ولعنات الحياة.
* مؤخرًا تم منعك من الغناء في الكويت.. فهل كان القرار بمثابة اغتيال لحريتك؟
لا يمكن لعصافير الموسيقى أن تغتالها رصاصة القناص، ولا يقف تغريده في القفص، فعصفور صدري الصغير والطفل الذي ربيته فيَّ، يأبى الاقتناع بفكرة اغتيال الحرية، فالغناء والموسيقى مستمران رغم كل شيء صار وما سيصير.
الحوار منقول بتصرف عن النسخة الورقية لـ"فيتو"..
ربما لم يجد الموسيقار الكبير، صاحب الكلمات السابقة، مارسيل خليفة، إجابة شافية عن سؤاله إلا في خضم الموسيقى؛ حيث عوده القريب جدا إلى قلبه، وأنامله المتنهدة على أوتار ذلك العود، يضرب كل واحد منها على مهل، فيرتعش فؤاده من فرط العشق، كأنه يذوب.
"مارسيل" يبقى دائمًا حالة فنية فريدة لم يكن للزمان خلقها لمرتين، فلن يتحمل ذلك الكون عصفورين يصدحان بصدق في آن واحد.. ترى الشيب، ترى نصيبه ومآثره على وجهه، إلا أن الصبي الصغير ما زال قابعا في صدره وغير قادر على التخلي عنه، ولا ترك عينيه اللامعتين حين تدق الموسيقى أبواقها.
"مارسيل" فتح قلبه لـ"فيتو" وكان الحوار التالي..
* "الربابة".. الآلة التي جعلتها تتربع عرش الأوركسترا في حفلك الأخير بدار الأوبرا المصرية.. فلماذا الربابة على وجه الخصوص؟
"الربابة" مزيج سحري بين الأمل والألم، تلك الآلة القابعة في الصحراء الموسيقية، ولا أحد يلمس يدها لتعود إلى حيز المسرح، وللربابة مذاق خاص عند العرب؛ لأن صيحاتها تعلو في الشعر العربي القديم.
* اخترت "كونشرتو الربابة" خصيصًا ليكون في حفلك بمهرجان الموسيقى العربية 2015، فهل لهذا الاختيار علاقة بمصر؟
نعم بالطبع، اخترتها لأن الربابة في الأساس آلة موسيقية مصرية، تنبع من الصعيد المصري، ذلك الصعيد الذي خرج من كنفه الشاعر عبد الرحمن الأبنودي الذي كان يحمل المهرجان اسمه في دورة 2015، لذا وجدت أن الكونشرتو بمثابة تكريم له ورسالة حب مني أبعثها إليه.
* غنيت للثورة، وحملتها على عاتقك الموسيقي بشكل مختلف، فكيف ترى أغاني الثورات اليوم وطريقتها في المقاومة؟
لا أستطيع قبول الثائر الذي يحصر نفسه ويحصر أغنية المقاومة أو ما يُعرف بالأغنية الملتزمة في إطار واحد أو قالب متحجر، فالفنان الثائر عليه أن يكون منفتحا على الآخرين وعلى الثقافات المختلفة؛ ليكون دائمًا على استعداد لتلقي جميع الاحتمالات.
ووجهة نظري، أن الثائر الحقيقي هو الذي يقدر معنى الثقافة والقراءة، فعندما كان جيفارا يشق طريقه وسط الأدغال مع رفاقه، لم يتعب من حمل البندقية، بل تعب ورفاقه تعبوا أيضا من حمل الكتب التي كانوا يحاولون نقلها في خلال تنقلاتهم، وكان جيفارا يفرض على الثوار القراءة ليتثقفوا.
* هل تمكنت الثورات العربية من إحداث حراك في الفن والأدب والموسيقى؟
نعم بالطبع حدث تغيير وحراك خفيف، نرى أثره بين عدد من الموسيقيين والمطربين الشباب، فالحضارة عبارة عن لحظة تمرد تقترن تلك اللحظة بالقالب الثقافي والإبداعي والفكري للمجتمع، إلا أن الأثر الذي سيتركه هذا الحراك يحتاج إلى بعض الوقت حتى تنضج ثماره، أي أننا سنشعر بهذا التغيير على المدى الطويل.. والثورة الناجحة تطعم شعبها «الفرح مع الخبز».
* كيف ترى واقع الأغنية العربية اليوم.. وأين يقف الفنان العربي؟
الأغنية العربية في مأزق ووضع صعب للغاية، فقد أصبح بين المطرب والجمهور مسافة كبيرة لا تفسير منطقي لها، كأن يخرج المطرب في أغانيه بسيارة فارهة، ناهيك عن مدى السطحية والاضمحلال التي غاصت الأغنية العربية في وحله.
* إذن.. كيف يمكننا إنقاذ حال الموسيقى العربية؟
يمكننا ذلك من خلال إنتاج الموسيقى المختلفة، التي ترتبط بالوجدان والمشاعر، وهناك تجربة أثمنها جدًا وهي مهرجانات الموسيقى التي أصبحت منتشرة في كل عاصمة عربية، أرى أنها تجربة تثقل من أهمية الموسيقى وتدعمها بشكل كبير؛ لأنها تسقي العطاشى للموسيقى اللائقة.
* بعد مسيرتك الطويلة تلك.. هل ترى الثقافة الموسيقية تمتلك الجمهور الذي تستحقه؟
الثقافة الموسيقية ضعيفة جدًا ويمكن القول إنها مفقودة فعليًا، ومن المهم إيقاظ وعي الناس لها، فالموسيقى هي الأقل معرفة من قبل الناس، لذا هناك نوع من الجهل المتعلق بالموسيقى، ولهذا نرى مستمعين محافظين للغاية لا يريدون موسيقى جديدة، يريدون فقط ما علق في ذهنهم من قوالب الماضي أكثر مما يريدون الجديد، وقليلون هم من يعرفون الموسيقى وقد جعلوها جزءًا من حياتهم، فعلينا أن نخلق سبلًا للاستماع وجعل الموسيقى سهلة المنال.
* هل تؤمن بتصنيف الفنان إلى مطرب ثوري وآخر رومانسي.. وهل تتقبل فكرة تصنيفك من الأساس؟
حقيقة.. أكره تلك التصنيفات جدًا، أن يوصف فنان بالغزل وآخر بالفخر والحماسة، فهذا شيء لا يمكن تطبيقه على الأرض، فإن الفنان الحقيقي يكون فنانا شاملا، يحمل في صدره الغزل والألم والضحك والدمع.
وبالنسبة لي أرفض أن تُعيَّن لي صفة أو تصنيف، فلا يمكن أن تنتظر مني نتائج معينة للموسيقى، أحب الاختلاف الذي ينبع من إيماني وعشقي للحرية، والحرية هي أن تكون غير مصنف ولا متوقع.. فإن قبلت تلك التصنيفات والتوقعات سأصبح وقتها مقيدا بأغلال ذلك التصنيف، والموت وقتها أرحم!
* أعمالك الموسيقية ارتبطت دائمًا بالمرأة، حتى الثورية منها.. فما هي المرأة بالنسبة لك؟
المرأة هي الوطن والدنيا، أحب فيها البساطة والعفوية والتلقائية المحببة، أشم فيها رائحة الياسمين، وتحرك في قلبي شغف الموسيقى والحب.
* ذكرت في أحد لقاءاتك أنك تكره الفحولة، وتنمي داخلك الحس الأنثوي.. ففسر لنا الأمر؟
نحن نعيش في مجتمعات تطفح بالفحولة والذكورية، وأنا أبغض ذلك، لذا اعتدت منذ طفولتي على تنمية طاقتي الأنثوية، أن أستطيع قص أجنحة الفحولة المزعجة والمدمرة داخلي كي لا تطير، وكانت هذه الطاقة الأنثوية تأخذ في كل مرحلة من مراحل حياتي طابعًا أعمق.
* بصراحة.. ما الشيء الذي يخشاه مارسيل خليفة؟
أن يموت الأمل.. وأن يفقد الفنان قدرته على الحب واحتضان آلته الموسيقية وسط هذا الكم الهائل من مشاهد الرعب اليومية المكونة من الغربان والدماء والجثث والأنقاض.
كما أنني أخاف أن يبدو طريق الحب والشعر والثقافة مستحيلًا، أن يزداد الجنون وتعجز الحقيقة عن النبوغ وسط حقارة الواقع ولعنات الحياة.
* مؤخرًا تم منعك من الغناء في الكويت.. فهل كان القرار بمثابة اغتيال لحريتك؟
لا يمكن لعصافير الموسيقى أن تغتالها رصاصة القناص، ولا يقف تغريده في القفص، فعصفور صدري الصغير والطفل الذي ربيته فيَّ، يأبى الاقتناع بفكرة اغتيال الحرية، فالغناء والموسيقى مستمران رغم كل شيء صار وما سيصير.
الحوار منقول بتصرف عن النسخة الورقية لـ"فيتو"..
