أزمة رسوم السكة الحديد
أحيانًا تكشف مواقف بسيطة عن أزمات كبيرة.. يكفي أن تقف عند بوابة محطة قطار، أو تحاول توصيل قريب أو صديق إلى الرصيف أو استقباله داخل المحطة، لتجد نفسك أمام أزمة الدفع أو المنع من دخول المحطة.. هذا بالضبط ما حدث مع الزميلة شيماء جلال، رئيس تحرير موقع «الرئيس»، أثناء استقبال والدتها بمحطة قطارات الجيزة، حين اضطرت إلى دفع 50 جنيهًا للوصول إلى الرصيف.
لكن هيئة السكة الحديد أوضحت أن المبلغ ليس رسمًا لدخول المحطة أو توديع المسافرين، وإنما غرامة لدخول الرصيف دون تذكرة أو تصريح، بهدف تنظيم الحركة وتقليل الزحام.
هذا هو تفسير الجهة المختصة لما حدث. لكن الحكاية لم تنتهِ عند هذا الحد، حيث ردت الزميلة بأنها لم ترتكب مخالفة، متسائلة عن كيفية وصولها إلى داخل المحطة بينما هناك بوابات إلكترونية!
ولا شك أنه لا أحد يرفض النظام، ولا أحد يريد أن تتحول أرصفة القطارات إلى فوضى. لكن هناك فرقًا بين تنظيم المكان، وتحويل التنظيم إلى صدمة مالية للمواطنين.
المشكلة ليست في الخمسين جنيهًا، وإنما في الإحساس الذي تتركه مثل هذه الوقائع: كلما ظهرت أزمة، عالجتها الحكومة بفرض ضريبة أو رسم جديد أو غرامة، والسؤال: لماذا كلما احتاجت الحكومة إلى ضبط الحركة، يكون جيب المواطن حاضرًا في المشهد؟!
بالنسبة لكثير من المصريين، الخمسون جنيهًا ليست مبلغًا هامشيًا. هي جزء من مصروف يوم، أو أجرة مواصلات، أو احتياج أساسي، ولذلك فإن أي رسم أو غرامة تمس المواطن يجب أن تكون واضحة، معلنة، ومفهومة قبل أن يجد المواطن نفسه مطالبًا بدفعها. فالقانون لا ينبغي أن يكون مفاجأة عند بوابة الدخول أو الخروج.
الحكاية أكبر من رسم دخول محطة الجيزة. إنها تفتح بابًا على أزمة الجباية وفرض الرسوم والغرامات التي تتراكم في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين.. رسم هنا، وغرامة هناك، ومقابل خدمة في مكان آخر. تتغير المسميات، لكن المواطن يجد نفسه أمام فاتورة جديدة وجباية من نوع آخر لحكومة دأبت على استهداف جيوب المواطنين.
وهنا يأتي دور البرلمان والجهات الرقابية. ليس فقط لمناقشة الأزمات الكبرى، وإنما أيضًا لمراجعة القرارات الصغيرة التي تمس حياة الناس، وسؤال الحكومة بوضوح: هل تحقق هذه الرسوم والغرامات هدفها فعلًا؟ وهل يعرف المواطن قواعدها قبل تطبيقها؟ وهل ترتبط بما يدفعه الناس بتحسين حقيقي في الخدمة؟
هذه ليست أسئلة ضد الحكومة، بل أسئلة من أجل دولة أكثر عدالة، دولة تستطيع تنمية مواردها بعيدًا عن القروض وجيوب المواطنين. الدولة القوية ليست تلك التي تكثر من الغرامات والرسوم، وإنما التي تضع قواعد مفهومة وتطبقها بعدل.
والمواطن لا يطلب إعفاءً من الرسوم، بل يطلب ألا يتحول كل تنظيم إلى عبء جديد على دخله. فإذا كان الهدف تقليل الزحام، فلتكن البداية من الإدارة الجيدة، لا من جيب المواطن.
والسؤال الذي تتركه واقعة الـ50 جنيهًا ليس عن قيمة مبلغ الرسم أو الغرامة بل: متى يصبح احترام المواطن جزءًا من تنظيم الخدمة وتحسينها، لا مجرد عبارة في بيان؟