حين لا نفهم مشورة الله
من أكثر الأمور التي تُتعب الإنسان أنه يريد أن يفهم كل شيء. لماذا حدث هذا؟ لماذا تأخر ذاك؟ لماذا أُغلق هذا الباب؟ ولماذا جاءت الأمور على عكس ما خططت لها؟ نريد دائمًا أن نعرف السبب، وأن نرى الطريق كاملًا قبل أن نخطو أول خطوة، وحين لا نجد إجابة واضحة، يبدأ القلق في السيطرة علينا. لكن هل نحن مطالبون فعلًا بأن نفهم كل ما يفعله الله في حياتنا؟
في سفر طوبيا، وسط أحداث كثيرة مرّ بها طوبيا وأسرته من تعب وضيقة وانتظار، تأتي كلمات عميقة: «لأَنَّ مَشُورَتَكَ لَا يُدْرِكُهَا إِنْسَانٌ». وهي ليست مجرد عبارة عن عدم المعرفة، بل اعتراف بحقيقة إنسانية وروحية مهمة: هناك أشياء تتجاوز قدرتنا على الفهم، لأننا نرى جزءًا صغيرًا من الصورة، بينما الله يرى الصورة كاملة. وهنا تكمن إحدى أصعب مسائل الإيمان: أن تثق في الله حتى عندما لا تفهمه.
نحن غالبًا نضع خططًا دقيقة لحياتنا. نحدد ما نريد، ومتى نريده، وكيف ينبغي أن يحدث. ثم عندما تأتي الحياة في اتجاه مختلف، نشعر بالارتباك وكأن شيئًا قد انهار. لكن ربما المشكلة ليست دائمًا في أن الطريق الذي رسمناه قد فشل، بل في أننا اعتقدنا أن الطريق الذي رسمناه هو الطريق الوحيد الممكن للخير.
كم من مرة ظن الإنسان أن شيئًا معينًا هو أفضل ما يمكن أن يحدث له، ثم اكتشف بعد فترة أن عدم حدوثه كان رحمة؟ وكم من باب ظل يطرقه بإصرار، ثم عندما أُغلق تمامًا، اكتشف أن وراءه طريقًا لم يكن يراه؟ وكم من تأخير ظنه تعطيلًا، ثم فهم فيما بعد أن التوقيت الذي كان يرفضه كان يحمل حكمة لم يستطع إدراكها في وقتها؟
نحن نحكم على الأحداث وهي تحدث، أما الله فيرى نتائجها قبل أن نصل إليها. ولهذا فإن الإيمان لا يعني أن تكون لديك إجابات عن كل شيء، بل أن يكون لديك يقين بأن عدم معرفتك لا يعني عدم وجود حكمة. قد لا تعرف لماذا تمر بهذه المرحلة، ولا لماذا تأخر أمر تتمناه، ولا لماذا تغيرت بعض التفاصيل التي كنت قد رتبت لها حياتك، لكن يمكنك أن تعيش مطمئنًا إلى أن الله لا يفقد السيطرة لمجرد أنك فقدت القدرة على فهم ما يحدث.
وهذا لا يعني أن الإنسان يتوقف عن التفكير أو التخطيط أو السعي. على العكس، من حقك أن تخطط، وأن تعمل، وأن تطلب، وأن تسعى إلى ما تتمناه. لكن الفرق أن تجعل خطتك في يد الله، لا أن تجعل الله أسيرًا لخطة وضعتها أنت.
أحيانًا نطلب من الله أن يبارك خطتنا، بينما قد تكون محبته لنا في أن يقودنا إلى خطة أخرى. نحن نرى ما نريد الآن، لكنه يرى ما نحتاج إليه على المدى الأبعد. نحن نعرف ما يريحنا في اللحظة الحالية، لكنه يعرف أيضًا ما الذي يصنع فينا إنسانًا أكثر نضجًا وقوة وعمقًا.
ولذلك، ربما يكون السؤال الأهم في بعض مراحل حياتنا ليس: "لماذا حدث هذا؟"، وإنما: "كيف أستطيع أن أعبر هذه المرحلة وأنا واثق في الله؟" فليس كل ما لا نفهمه شرًا، وليس كل ما نرفضه خسارة، وليس كل ما يتأخر قد ضاع. هناك أمور لا تتضح إلا بعد أن تمر، وهناك طرق لا نعرف قيمتها إلا عندما ننظر إلى الوراء.
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان في وقت الحيرة هو أن يتوقف قليلًا عن محاولة السيطرة على كل التفاصيل. أن يقول: "يا رب، أنا لا أفهم، لكنني أثق. لا أرى الطريق كله، لكنني أثق في يدك. لا أعرف ماذا تحمل الأيام القادمة، لكنني لا أريد أن أقضيها خائفًا من شيء لم يحدث بعد."
فليس مطلوبًا منك أن تعرف الغد حتى تستطيع أن تطمئن اليوم. وقد تكون الخطة التي أعددتها لنفسك جميلة، لكن مشورة الله أوسع منها. وقد ترى أن طريقك يجب أن يسير في اتجاه معين، بينما يقودك الله إلى اتجاه آخر، لا ليحرمك مما تتمنى، بل لأنه يرى ما لا تراه أنت.
لهذا، عندما تتعطل خطة، لا تتعجل في اعتبارها نهاية. وعندما يتغير طريق، لا تفترض أن الله قد ابتعد. ربما تكون فقط أمام فصل جديد لم تتعلم بعد كيف تقرأه.
إن أعظم راحة يمكن أن يصل إليها القلب ليست في أن يفهم كل شيء، وإنما في أن يعرف في يد من توجد الأشياء التي لا يفهمها. لذلك، لا تُرهق نفسك بمحاولة معرفة كل التفاصيل. خطط، واسْعَ، وصلِّ، وافعل ما تستطيع، ثم اترك مساحة لله أن يفعل ما هو أبعد من حساباتك.
فما لا تدركه أنت، يدركه الله. وما لا تراه أنت، يراه هو. وما لا تستطيع ترتيبه، يستطيع هو أن يرتبه بطريقة قد تتجاوز كل ما كنت تتخيله.
وربما يأتي يوم تنظر فيه إلى الوراء، فتكتشف أن بعض الأشياء التي بكيت بسببها كانت تحميك، وبعض الأبواب التي حزنت لإغلاقها كانت تقودك إلى أبواب أخرى، وأن الطريق الذي لم تفهمه في بدايته كان يحمل في نهايته خيرًا لم تكن تستطيع أن تراه.
لذلك لا تجعل عدم فهمك سببًا لفقدان ثقتك. فليس مطلوبًا أن تفهم كل شيء... يكفي أن تثق أن مشورة الله لحياتك أعظم من كل خطة استطعت أن ترسمها لنفسك.