فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

الخطى التي لا تُرى

كان الشاب يعمل في دكان صغير يقع في طرف المدينة، بعيدًا عن الطرق المزدحمة وأعين الناس. لم يكن الدكان لافتًا للنظر، كما لم يكن صاحبه ممن يعرفون كيف يلفتون الانتباه أو يرفعون أصواتهم. كان يأتي كل صباح في الوقت ذاته، يفتح بابه بهدوء، ويباشر عمله بإتقان صامت، كأنما يؤدي عبادة لا تحتاج إلى شهود.

 

كان يرى من حوله من يتقدمون سريعًا، يتحدثون بثقة، ويحصلون على الفرص قبل أن يكملوا محاولاتهم. أما هو، فكان يمضي بخطوات صغيرة، مترددة أحيانًا، لكنها ثابتة. كثيرًا ما تسلل إليه الشعور بأن سعيه لا يُرى، وأن أمانته لا يسمع بها أحد، فيسأل نفسه ليلًا: هل يُجزي هذا التعب، إن لم يشهد عليه بشر؟

ورغم تلك الأسئلة الثقيلة، لم يتخلَّ عن دقته، ولم يساوم يومًا على ما يراه حقًا. إذا أخطأ، أصلح خطأه دون أن يطالبه أحد. وإذا وجد خللًا لا يخصه، عالجه كأنه مسؤول عنه. كان يؤمن في أعماقه أن العمل الصادق لا يضيع، وإن طال انتظاره.

 

وفي إحدى الليالي، هطلت أمطار غزيرة لم تشهدها المدينة منذ أعوام. اجتاحت المياه الطرق، وتضررت المحال القريبة، وتوقفت الأعمال أيامًا. وحين عاد الناس لتفقد خسائرهم، فوجئوا بأن دكان الشاب لم يمسه سوء. فقد كان قبل أشهر قد لاحظ تصدعًا صغيرًا في الجدار الخلفي، فأصلحه على نفقته الخاصة، دون أن يعلم أحد، ودون أن يتوقع مقابلًا.

 

انتشر الحديث عن الأمر، وسأل أصحاب الدكاكين عن صاحب المكان الذي نجا وحده. لم يكن جوابه طويلًا، ولم يتفاخر، بل اكتفى بالصمت نفسه الذي رافقه سنوات. غير أن الصمت هذه المرة كان مسموعًا في موضع آخر.

 

بعد مدة، جاءه عرض لم يكن في حسبانه، عمل أوسع ومسؤولية أكبر، اختير لها لأنه عُرف بين القلة التي راقبت عن بعد بأمانته قبل مهارته، وبثباته قبل طموحه. حينها أدرك أن الله كان يراه طوال الوقت؛ يراه وهو يحاول، وهو يتردد، وهو يكمل رغم الشك، ويحسب له كل خطوة صغيرة لم يلتفت إليها الناس.

فهم أخيرًا أن السعي الصادق لا يحتاج إلى ضجيج، وأن الخطى التي لا تُرى قد تترك أثرًا أعظم من تلك التي تُصفق لها العيون. وأن الله لا يضيع أمانة أبناءه، وإن طال الطريق، لأن التعويض يأتي دائمًا في الوقت الذي يليق بالصدق، لا بالاستعجال.