لماذا يحنّ الناس للديكتاتور؟
في كل مرة تهتز فيها الأوطان، وتعلو فوقها غيوم الخوف والاضطراب، يتم فتح نافذة واسعة للماضي كي يتسلل من خلالها، فجأة، يصبح الزمن القديم- مهما كان قاسيًا- ملاذًا نفسيًا يلوذ به الناس بحثًا عن يقين مفقود، يتذكّر البعض الحاكم المستبد كأنه الأب القوي الذي كان يعرف ماذا يفعل، يحسم الأمور بقرارات قاطعة، ويرفع سوط القانون ليحمي الجميع.
لكن هذا الأب لم يكن حنونًا، ولا عادلًا، كان فقط واضحًا، والوضوح في زمن الفوضى يتحول إلى نعمة.. هذه ليست قصة بلد واحد أو ديكتاتور بعينه، بل سردية ممتدة في أنحاء من العالم العربي، حيث وجدت شعوب عديدة نفسها بعد صدمات الانتقال السياسي أمام السؤال الأكبر: لماذا يحنّون إلى الاستبداد رغم معرفتهم بأنه جرح مفتوح؟
عند لحظة الارتباك، يشتغل العقل الجمعي بآلية دفاعية، تشبه ما يسميه علماء النفس بـ التذكّر الانتقائي، يتذكّر الناس فقط ما يمنحهم شعورًا بالأمان: رواتب كانت تُدفع في موعدها، أسعار مستقرة نسبيًا، شوارع تبدو هادئة، بيروقراطية بطيئة لكنها مفهومة، ثم يُعاد طمس كل ما كان يختبئ خلف هذه الراحة المصطنعة: الفساد المنظم، غياب القانون، السجون، القمع، وطرق مغلقة أمام أي أفق سياسي..
هكذا يتكوّن الحنين، لا لأنه حقيقة واقعية، بل لأنه مسكن نفسي. فالماضي -مهما كان قاتمًا- يبقى حكاية مكتملة، أما المستقبل الغامض، فيبدو بلا مسار ولا ضمانات، وتحت وقع الخوف، تبدأ سردية الحنين في إنتاج ذاتها.
عندما تفشل الديمقراطية في إغراء الناس
بعد موجات الربيع العربي، كانت التوقعات كبيرة، أن تتوسع الطبقة المتوسطة، أن تتقدم العدالة، أن يشعر الناس بأن أصواتهم تُحدث فرقًا، لكن كثيرًا مما تأمله الشعوب جاء عكسه تمامًا: انقسامات سياسية حادّة، صراعات بين النخب، أزمات اقتصادية خانقة، طوابير خبز، انهيار عملات، وحروب صغيرة وكبيرة..
هكذا تحوّلت الديمقراطية -في الإدراك الشعبي- من مشروع أمل إلى سوق صاخب بالمزايدات وسوء الظن. لم ير الناس حكمًا رشيدًا، بل أزمات متفاقمة، وفي وسط هذا الخراب، بدا الحنين إلى الديكتاتور خيارًا أسهل: شخص واحد يقرر، فلا يختلف اثنان.
المفارقة أن الحرية، حين تفشل في تحسين حياة الناس، تتحول العودة للطغيان إلى استنتاج منطقي في نظر البعض.
من الهمس إلى العلن.. ظاهرة تتسع
قبل عام 2011، لم يكن أحد في ليبيا أو تونس أو اليمن يريد استمرار القذافي أو بن علي أو صالح، اليوم وبعد سنوات من رحيلهم يحدث العكس، يترحم الناس عليهم.. تُقال الكلمات نفسها في الإعلام، وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وفي المقاهي الشعبية بلا تردد.
يرتفع الحنين بعد سقوط الديكتاتور وليس معه، تبدأ المقارنة بين أمن واستقرار سابقين وفوضى وانهيار لاحقين، وفي اللحظة التي كان يُنتظر فيها أن تتسع الديمقراطية، ارتد كثيرون إلى فكرة الأب القوي.. حتى لو كان ديكتاتورًا، وارتفع شعار: آسفين للديكتاتور.
الحنين من النخبة.. قبل الشارع
المثير أن موجة الحنين ليست ظاهرة شعبية فقط، بل تمتد إلى بعض المثقفين والإعلاميين وكتّاب الرأي، الذين يفترض أنهم حائط الصدّ الأول ضد الاستبداد، لكن جزءًا من هؤلاء كان مرتبطًا بمؤسسات النظام القديم، أو استفاد من بنية السلطة المركزية، وحين فقد امتيازاته، عاد إليه حنينه المُقَنَّع.
التفسير النفسي والاجتماعي والاقتصادي للحنين
يبني الاستبداد شبكة أمان مصطنعة من أسعار مدعومة، دولة مركزية صلبة، قبضة أمنية صارمة، إعلام يُغذّي صورة الاستقرار، ومع سقوط النظام، تنهار هذه المنظومة دفعة واحدة، فيشعر المواطن بأنه مكشوف أمام المجهول.. هنا يصبح القمع أرحم من الفوضى، فيُعاد إنتاج صورة الحاكم القديم.
الدولة وصدمة السقوط
في العراق وليبيا واليمن وسوريا، قامت الدولة على الريع النفطي أو الاقتصادي، ومع انهيار الدولة، اختفى الخبز قبل الحرية، وعندما يغيب الخبز، تتبخر الشعارات.
أخطر مراحل التحول الديمقراطي ليست الثورة نفسها، بل اليوم الذي يليها، وفي معظم الدول العربية، كان اليوم التالي كارثيًا، ففي ليبيا حدث انهيار الدولة وظهور الميليشيات، وفي اليمن حدث تفكك جغرافي وصراع بلا نهاية، وفي سوريا اندلعت حرب شاملة..
وفي تونس حدث تعثر اقتصادي خانق.. أما في العراق الذي سبق الربيع العربي بسنوات حين أسقط الأمريكان صدام حسين، فانتشرت الطائفية المسلحة، وهكذا انتعش خطاب: الديكتاتور كان أفضل.
تدخلات إقليمية ودولية
لم تُترك أي ثورة عربية لتبني مستقبلها وحدها. تقاطع الخارج مع الداخل، فازدادت الفوضى، وارتفع الحنين.. لماذا يحنّ العراقي والليبي والتونسي والسوري واليمني؟
في العراق بدا أن هناك حنينا إلى الدولة القاسية فبعد سقوط صدام، لم تُبن دولة مدنية، بل نظام قائم على الطائفية والسلاح والفساد، فكان طبيعيًا أن يقول البعض: على الأقل كان القانون واحدًا. الحنين هنا ليس حبًا للطاغية، بل كراهيةً للحاضر.
وفي ليبيا تحولت الجماهيرية من دولة الفرد إلى دولة الميليشيات؛ فالقذافي لم يترك دولة، بل ترك فراغًا، ومع سقوطه، انكشفت الحقيقة: لا مؤسسات، لا جيش، لا دستور. لذلك يقول الليبي اليوم: على الأقل كنا بلدًا واحدًا.
وفي تونس عادت قبضة بن علي إلى الواجهة بعد فشل النخبة الجديدة، فرغم النجاح الديمقراطي النسبي حاليا، ظل الاقتصاد متعثرًا. ومع تدهور المعيشة، صعد الحنين إلى صرامة بن علي.
وفي سوريا بدا الماضي أقل رعبًا من الحاضر، ففي بلد دُمر نصفه وهُجّر شعبه، يصبح الماضي -مهما كان ثقيلًا- أقل قسوة من الحرب.
أما في اليمن فقد انتشرت الفوضى، فبعد سقوط صالح، لم تُبن دولة، بل سقط كل شيء تقريبًا، فصار الرجل رمزًا للاستقرار المفقود.
الحنين للديكتاتور.. احتجاج على الفوضى
يبدو أن الحنين ليس تمجيدًا للديكتاتور بقدر ما هو: احتجاج على الفوضى، وصرخة ضد انهيار الدولة، وبحث عن يقين حتى لو كان زائفًا. إنه رفضٌ للحاضر أكثر مما هو حب للماضي.
كيف يمكن إنهاء الحنين للديكتاتور؟
تبدو المعادلة بسيطة نظريًا لكنها شبه مستحيلة في بعض جمهوريات الوطن العربي، إنها تقوم على بناء دولة قانون لا فرد؛ فالدول التي تمتلك مؤسسات لا تَحنّ إلى المستبد، وإرساء عدالة اجتماعية فلا ديمقراطية بلا خبز، وإطلاق مصالحة وطنية شاملة، فلا مستقبل لأي دولة دون وحدة وطنية قوية، بالإضافة إلى خطاب يربط الحرية بمصلحة الناس اليومية، لا بشعارات تجريدية.
والخلاصة أنه حين يهزم الحاضرُ الماضي.. ينتهي الحنين للديكتاتور، فالحنين له ليس نزوة ولا رواية عاطفية، بل هو نتيجة مركبة لفوضى السياسة، وغياب الدولة، وسوء إدارة التحول، وتدخلات الخارج، وصدمات المجتمع.
وحين يستقيم الحاضر ويحمي القانون المواطن، وعندما تتسع الطبقة المتوسطة، وتستقر الدولة، ويتحقق الحد الأدنى من العدالة،عندها فقط يتوقف الناس عن النظر إلى الخلف؛ لأن الشعوب لا تحنّ إلى الظلام إلا حين تنطفئ الأنوار.