المصالح والمطامع وبينهما إنسانية مفقودة!
ماذا كسبت البشرية حين انخرطت في صراعٍ محموم على المادة، صراعٍ تحرّر من كل قيد أخلاقي، ولم يعد يعترف إلا بمنطق القوة والغلبة؟ لعلها راكمت الثروات ووسّعت دوائر النفوذ، لكنها في المقابل خسرت المعنى، وخسرت الطمأنينة، وخسرت الإنسان حين فصلت التقدم عن القيم، وجعلت المصالح معيار الصواب والخطأ.
فحين تنفصل القوة عن الأخلاق، لا يعود التقدم وعدًا بالخلاص، بل يتحول إلى أداة افتراس، وتغدو الحضارة واجهة براقة تخفي وراءها فراغًا روحيًا قاسيًا لا يشبع جائعًا ولا يحمي ضعيفًا.
وماذا خسرت البشرية بغياب مكارم الأخلاق والقيم الرشيدة التي وُجدت أصلًا لتحمي الفقراء والمستضعفين، وتمنع تغوّل الطغاة، دولًا كانوا أم أفرادًا؟ لقد خسرت ميزان العدل الذي تستقيم به الحياة، وخسرت صوت الضمير الجمعي الذي كان يكبح شهوة الطغيان، وحين سُلب الضعيف حقه وكُرّم الظالم على استلابه، انقلبت الموازين، وصار الظلم سياسة، والانحراف قاعدة، والاستقامة عبئًا يحتاج إلى تبرير.
وفي هذا السياق تتجلى دلالة ما قاله شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، أمام مؤتمر السلام في روما حين وضع يده على جوهر الأزمة مؤكّدًا أن غياب العدل لا يخلّف فراغًا، بل يفسح المجال لهيمنة الظلم، ومع تراكم المظالم تتلاشى القيم وتذبل المبادئ، حتى يفقد الإنسان إنسانيته تحت أقدام المصالح والأطماع المادية الهابطة، ويغدو الاستقواء والاستئساد على الضعفاء سلوكًا مبررًا بل ومكافأً عليه.
وحين يتحول الإنسان إلى رقم هامشي في حسابات السياسة، أو سلعة رخيصة في اقتصاد السوق، ندرك -كما يحذّر- أن شمس الحق توشك على الغروب، وأن العالم ينحدر إلى فراغ أخلاقي ينذر بانهيار الأنظمة قبل انهيار القيم والأخلاق التي قامت عليها.
تُرى ما أكثر فترات التاريخ عدلًا وانسجامًا مع الفطرة الإنسانية؟ إنها تلك اللحظات التي لم تنفصل فيها القوة عن القيم، ولا السياسة عن الضمير، حين كان الإنسان يُقاس بعدله وأمانته لا بحجمه ونفوذه. لم تكن تلك العصور مثالية ولا معصومة من الخطايا، لكنها كانت تعرف معنى الحدّ، وتؤمن بأن الظلم ليس قدرًا محتومًا ولا حقًا مكتسبًا، وأن الإنسان غاية لا وسيلة.
وماذا تلقت البشرية من رسالات السماء؟ لقد تلقت نداءً واضحًا يربط الإيمان بالعدل، والعبادة بالرحمة، والسلطان بالأمانة، ويحرر الإنسان من عبودية الإنسان إلى سمو القيم العليا. غير أن السؤال المؤلم يظل حاضرًا: هل استقبلت البشرية هذه الرسالات بما تستحقه من توقير واقتداء، أم اختزلتها في شعارات تُرفع، بينما تُداس مقاصدها تحت أقدام المصالح والنزعات الجامحة؟
وماذا عن جرائم اليوم؟ أغلبها وليد تحلل أخلاقي كامل، ومجافاة صريحة لكل شرع ودين، تُرتكب بلا وجل، وتُبرر بلغة باردة، وتُدار بعقول لا ترى في الإنسان إلا رقمًا، ولا في الدم إلا خبرًا عابرًا. وحين يُختزل الألم الإنساني إلى هامش في تقرير، ندرك أن الخلل لم يعد في أفعال أفراد معزولين، بل في منظومة عالمية فقدت بوصلتها القيمية.
إن العالم لا يعاني نقصًا في القوانين ولا شحًا في الموارد، بقدر ما يعاني فقرًا في العدل، وغيابًا للضمير، وتراجعًا للقيم التي تردع قبل أن تعاقب، وتُصلح قبل أن تنتقم. ولن تستعيد البشرية توازنها إلا بإعادة الاعتبار للأخلاق بوصفها شرط البقاء، وللعدل بوصفه روح الحضارة، لا شعارًا يُستدعى عند الحاجة ثم يُنسى عند أول اختبار.