حين يُختزل الإصلاح في تغيير اللافتات..
تطوير ماسبيرو على طريقة المسلماني
من يتأمل ما يجري اليوم في أروقة الهيئة الوطنية للإعلام، تحت رئاسة الإعلامي أحمد المسلماني، يدرك أن المأساة لم تعد في تراجع الدور فقط، بل في اختزال مشروع التطوير إلى قرارات مرتبكة تُعلَن ثم تُسحب، ومشاريع تُطرح ثم تختفي، وأسماء قنوات تتغير ثم تعود، ولجان تُشكَّل ثم تُحل، وكأننا أمام مؤسسة تحولت إلى معمل تجارب.. تتحرك دون رؤية، تبحث عن ملامح مشروع بلا خطة، وتخوض معارك جانبية بلا طائل، وكأن مستقبل الإعلام الرسمي يُدار بمنطق “جرب وشوف”.
المشهد يشي بأن الرؤية ضبابية؛ فالانطباع الغالب، حتى داخل أروقة ماسبيرو ذاته، أن كل ما عُرض حتى الآن لا يرتقي إلى معنى التطوير، بل يقدم نسخة باهتة من تغييرات شكلية تشبه استبدال اللافتات فوق المباني بينما جدرانها تتداعى من الداخل.
ستة قرارات أعلنها رئيس الهيئة الوطنية للإعلام ثم ماتت قبل أن تُنفذ.. كل قرار كان أشبه بفقاعة تطفو سريعًا ثم تتلاشى.. لعل أبرزها إعلان تغيير اسم قنوات النيل المتخصصة إلى موليود، والذي بدا كأنه دعابة ثقيلة، قبل أن ينقلب السحر على الساحر، ويضطر المسلماني إلى التراجع بعد غضب مجتمعي.
الحديث المتكرر عن إنتاج مسلسل عن طلعت حرب وآخر عن مجدي يعقوب بدا كأنه محاولة لرفع السقف الدعائي للتطوير، لكن دون ميزانيات معلنة، ودون رؤية درامية.. إنها مشروعات وُلدت في المؤتمرات الصحفية لتبقى تراوح مكانها.
تشكيل لجنة للدراما الإذاعية برئاسة حسام عقل بدا في ظاهره خطوة لإحياء إرث إذاعي كبير، لكن سرعان ما جرى التراجع عنه بعد موجة اعتراضات.. التراجع هنا لم يكن مجرد إلغاء قرار، بل كان اعترافًا ضمنيًا بأن المؤسسة لم تدرس الخلفيات أو المواقف أو السياق قبل أن تصدر قرارها.
إعلان التعاقد مع إعلاميين مثل خيري رمضان وإيمان الحصري كان يمكن أن يمثل نقلة حقيقية في إعادة الاعتبار لشاشات ماسبيرو، لكن غياب أي مؤشرات تنفيذ، وعدم ظهور البرامج حتى اللحظة، ألقى بالخبر في منطقة الضباب.
وأخيرًا اتخاذ قرار بتغيير اسم قناة النيل الدولية للأخبار إلى ENN، ثم التراجع عن هذا القرار بعد 24 ساعة فقط من اتخاذه؛ لأن التسمية الجديدة المختصرة للقناة والشعار يخص قناة إثيوبية!
هذه ليست مجرد قرارات غير صائبة.. بل علامات على غياب البوصلة؛ فالتطوير الإعلامي ليس موضة أسماء بل بناء محتوى، وهيكلة مهنية، واستقلالًا تحريريًا، وشبكات إنتاج قادرة على المنافسة.
هناك فارق بين من يريد أن يصنع تغييرًا، ومن يريد أن يظهر كصانع تغيير، الأول يعمل في صمت، يدرس الواقع، ويستند إلى خبراء، ويختبر خياراته بعيدًا عن الضجيج، أما الثاني فيتحرك بمنطق الصوت العالي أو الشو الإعلامي، يعلن قبل أن يخطط، ويتراجع قبل أن يتحرك، وتضيع المؤسسة بين التصريحات والرغبات والأهواء.
ما نراه اليوم هو تصاعد للخطاب.. مقابل تراجع للفعل.. إعلانات عن مشروعات إنتاجية لا نرى لها أثرًا، تغييرات شكلية في أسماء القنوات وديكورات الاستديوهات، بلا مضمون. انشغال دائم بما هو تجميلي لا استراتيجي.
كأن المؤسسة تعلنها صريحة: غيّر اللافتة.. يتغير الإعلام. حسّن الديكور.. تتحسن الرسالة، ضع اسم شخصية مهمة على البلاتوه.. تكتسب الشاشة هيبة. وهذا، في جوهره، وهم لا يليق بمؤسسة بتاريخ ماسبيرو.
التطوير رؤية تُكتب بمداد التخطيط والمعرفة لا بالمزاج.. المؤسسات العريقة لا تتغير بقرارات ارتجالية بل بإدارة محترفة ورؤية طويلة الأمد، وإيمان لا يتزعزع بأن المحتوى هو الملك.
إن الشاشة التي لا تقنع المشاهد.. لن تعود للحياة مهما تغير اسمها أو ازدانت جدرانها، أما القرارات الارتجالية التي تُعلن في الصباح وتُلغى في المساء، فهي أقرب إلى ترقيع لا يليق بمؤسسة وطنية كبرى.
ماسبيرو اليوم ليس بحاجة إلى ديكور جديد، بل إلى وقفة مع الذات: لماذا فقدت نشراته مصداقيتها؟ لماذا انصرف الجمهور عنه؟ لماذا توقفت مسلسلاته عن المنافسة؟ لماذا صار الإنتاج الدرامي عبئًا وليس قيمة؟ لماذا فقد قطاع الأخبار روحه رغم كوادره المتميزة التي رحل بعضها إلى الفضائيات المصرية والعربية؟ ما هي رسالة ماسبيرو؟ من جمهوره؟ هل هو إعلام دولة؟ أم إعلام مؤسسة؟ أم إعلام موظفين؟
وأيًا ما كانت الإجابة فإن الجمهور لن يعود إلى الشاشة ما لم يجد فيها ما يحترم وعيه ويخاطب عقله.