أبطال مجهولون في حرب أكتوبر، صاحب صورة النصر
لعلها أهم صورة في ذلك التاريخ الناصع، جابت العالم بأسره.. الملايين يحفظون تفاصيلها، والتاريخ يحتفظ بها في صفحة ذهبية.. صورة الفرحة التلقائية بالعبور، وقهر أسطورة الجيش الذي لا يُهزم.. صورة تساوي الملايين، وتزداد قيمتها كلما مر عليها الزمن.
عبد الرحمن أحمد القاضي (1931 – 2019) أحد أبطال حرب أكتوبر 1973، وعضو المجموعة 39 قتال، وهو آخر من تبقى على قيد الحياة من أبطال رفع علم مصر على خط بارليف بعد العبور العظيم.
ذات يوم لا يُنسى، جلس أهالي وجيران الجُندي عبد الرحمن أحمد القاضي يُطالعون صورته على الجبهة، إذ يبدو في الصورة الضوئية فرحا بنصرٍ تحقق بعد شوق طويل، إلى أن دخل عليهم عبد الرحمن بـ«شحمه ولحمه»، تأكدوا حينها أن ابنهم البطل هو أحد رموز نصر أكتوبر1973 المجيد.
وأكد لهم هو ذلك بحكايات ظلّ يرويها لسنوات مُرددًا: "ﷲ أكبر.. أنا كنت هناك بنفس الساعة ونفس السلاح".. لم يكن هدف الجندي عبد الرحمن ولا أهله أن ينال شهرة عريضة، ولم يتصور يوما أنه سيصبح أيقونة النصر لسنوات لا حصر لها.
عن المقاتل عبدالرحمن أحمد عبد اللاه القاضي، أتحدث.. هو ابن مدينة المراغة، بمحافظة سوهاج.. اختتم حياته موجها بالتعليم الإبتدائي، تخرجت من بين يديه أجيال.. كان على موعد مع شهر أكتوبر، ففي أوائل أكتوبر 1967، التحق المجند عبد الرحمن بالخدمة العسكرية، وفي أكتوبر 1937، كان النصر.
بعد تخرجه مباشرةً، بدأ حياته العسكرية في مركز التدريب.. شارك في البداية بسلاح المدرعات، ثم التحق بتخصص الاتصالات السلكية واللاسلكية بسلاح المدرعات، وفيما بعد استقر في الكتيبة «212» الفرقة 19 مشاة.. وشارك عبدالرحمن في حرب الاستنزاف فيما بعد.
ومما حكاه: "كان العدو يزيد تحيته لنا يوم الجمعة بأن يجعل القصف يستمر لفترة أطول، قد تصل إلى 20 ساعة، لأنهم يعرفون يوم الجمعة وشعائر الصلاة فيه، ورغم ذلك كنا نمارس حياتنا بشكل شبه عادي، اعتدنا على القصف مع مرور الأيام".
اتسم الجندي عبد الرحمن بالوطنية؛ للدرجة التي جعلته يُؤجل موعد زفافه حتى انتهاء الحرب كما يقول: "هيأتُ حياتي على كوني مقاتلًا على خط النار دون الاهتمام كثيرًا بفكرة أنى سأعود مدنيًا كما كنت".
أما فيما يتعلق بعبور القناة، وتدمير خط بارليف، فقد روى عبد الرحمن ذكرياته عن أيام الحرب، ففي أحد الأيام فوجئ الجنود بضربة جوية الساعة الثانية ظهرًا، لم يتوقع الجنود ما حدث لكن أحدهُم همس في أذنهم، مُرددًا: "اطمئن، سنعبر بإذن ﷲ.. سيادة اللواء عبدالغني الجمسي مجهز الخطة وربنا هاينصرنا إن شاء ﷲ".
وقبل الثانية ظهرًا، خرج الجندي عبد الرحمن ورفاقه، نظروا إلى السماء، فوجدوها مليئة بالطائرات تُحلق فوق رؤوسهم، فيما علت الصيحات «ﷲ أكبر».
استعد الجنود حينها للعبور، كما قال عبد الرحمن: «كان استعدادنا المباشر قبيل العبور متمثلًا في تجهيز المعدات، بالطبع لم نعبر في النسق الأول، إذ عبرنا بعد أن تم إنشاء رؤوس الكباري وفتح ثغرات في الساتر الترابي، إلاّ أن المشهد الذي كان يجعل الدموع تنهمر من عيوننا ويجعلنا نتشوق للعبور في هذه اللحظة قبل التالية، هو مشهد علم مصر المرفوع والمرفرف على الجبهة الشرقية».
وفي يوم 7 أكتوبر، كان الطيران المُعادي يحاول شن هجوم مضاد وتدمير الكباري، إلاّ أن «دفاعنا الجوي الباسل قام بدور عظيم، لقد فوجئنا بطائرة معادية تسقط بين تشكيلنا الذي كان يمثل مربعا ناقص ضلع والقائد في المنتصف».
انتهت الحرب بالنصر المؤزر، وذهب كلٌّ إلى طريقه، لكن بقيت صورة الجندي المجند عبدالرحمن، رافعًا علم مصر على الجبهة، في ذاكرة كل مصري.. أصبح عبد الرحمن في طي النسيان، لم يتذكرهُ أحد، خرج من الخدمة بعدما انتهت فترة تجنيده بنهاية مايو 1974، اكتفى بأن يروي حكايته للتلاميذ، إذ عمل كمدرس إبتدائى، إلى أنْ أصبح موجّها بالتعليم الابتدائي.