من مدرسة الإسكندرية لأكاديمية مارمرقس، الكنيسة تفتح صفحة جديدة في تاريخ التعليم اللاهوتي
في قلب مركز لوجوس بدير الأنبا بيشوي بوادي النطرون، تقف أكاديمية مارمرقس القبطية باعتبارها أحد المشروعات التعليمية التي تراهن عليها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لتطوير التعليم اللاهوتي، واستعادة روح المعرفة والبحث التي ارتبطت بتاريخها، منذ مدرسة الإسكندرية الشهيرة وحتى مؤسساتها التعليمية المعاصرة.
فلسفة الأكاديمية
الأكاديمية التي افتتحها قداسة البابا تواضروس الثاني في 18 نوفمبر 2025، ليست مجرد مبنى لإقامة الاحتفالات وتكريم المتفوقين، وإنما مشروع يستهدف جمع الكليات الإكليريكية والمعاهد الكنسية تحت مظلة أكاديمية واحدة، تعمل على تطوير المناهج، والارتقاء بمستوى الدراسة، وتنظيم برامج الدراسات العليا والبحث العلمي.
وتحمل الأكاديمية اسم القديس مارمرقس الرسول، الذي ارتبط اسمه ببداية انتشار المسيحية في مصر، وتبلغ مساحة مبناها نحو 40 ألف متر مربع، بما يعادل 10 أفدنة، وهي الأرض التي قدمها المتنيح الأنبا صرابامون، أسقف ورئيس دير الأنبا بيشوي.
وتقوم فلسفة الأكاديمية على تطوير المؤسسات التعليمية القائمة، وليس إلغاء دورها أو استبدالها، إذ تستهدف أن تكون مظلة تنسيقية تضم الكليات والمعاهد التي تستوفي شروط العضوية، بما يسمح بتبادل الخبرات وتوحيد معايير الجودة، وفتح آفاق أوسع أمام الدارسين والباحثين.
ومنذ افتتاحها، بدأت الأكاديمية خطوات عملية لترجمة هذه الرؤية، ففي ديسمبر 2025 التقى البابا تواضروس الثاني ممثلي عدد من الكليات والمعاهد اللاهوتية، لمناقشة تطوير العملية التعليمية، والاستماع إلى مقترحات المؤسسات المختلفة.
وفي مايو 2026 شهدت الأكاديمية مناقشة أول رسالة دكتوراه، تقدم بها الراهب القمص أثناسيوس البهنساوي، النائب البابوي في غانا، حول «الكرازة المرقسية في إفريقيا من القرن التاسع عشر وحتى مطلع القرن الحادي والعشرين»، وحصل الباحث على الدرجة بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى.
كما شهد أكتوبر الماضي افتتاح برنامج CTS للدراسات اللاهوتية، بمشاركة 37 دارسًا من إيبارشيات مختلفة، بالتوازي مع العمل على تنظيم منظومة الدراسات العليا، من خلال لائحة تحدد إجراءات تسجيل الرسائل العلمية والإشراف عليها ومناقشتها ومنح الدرجات.
وجاءت احتفالية «نورًا للمعرفة»، التي أقيمت في 7 نوفمبر الجاري بمناسبة مرور عام على افتتاح الأكاديمية، لتكشف جانبًا من حصاد هذه المسيرة، حيث جرى تكريم أوائل 37 كلية إكليريكية ومعهدًا كنسيًا، وتخريج 183 من المتفوقين، إلى جانب تكريم 35 كاهنًا من خريجي برنامج الماجستير بالكلية الإكليريكية بالإسكندرية.
ولعل أبرز ما يميز المشروع هو التوجه نحو تغيير فلسفة التعليم نفسها، من الاعتماد على الحفظ والتلقين إلى الفهم والتحليل والتفكير النقدي، دون التفريط في التراث الآبائي والتسليم الكنسي.
وبينما قطعت الأكاديمية خطوات في مجال الدراسات العليا والبرامج التعليمية، لا تزال أمامها مراحل تنظيمية، من بينها استكمال تشكيل مجلس الأكاديمية ومجلس التعليم الكنسي.
وهكذا لا تقاس أهمية أكاديمية مارمرقس بمساحة مبناها أو عدد الاحتفالات التي تستضيفها، وإنما بما يمكن أن تقدمه لمستقبل التعليم الكنسي، وقدرتها على تخريج أجيال تجمع بين عمق المعرفة وأصالة الإيمان، وتواصل مسيرة تعليمية تمتد جذورها إلى قرون طويلة.


