بين السحر الأسود ولقاء الجن، "العزيف" قصة أخطر كتاب أرعب العالم
بين أطلال بابل واستكشاف أسرار مصر القديمة، نسجت في صحراء الربع الخالي واحدة من أكثر الأساطير رعبا وإثارة في تاريخ الأدب الحديث. "العزيف" أو ما يعرف عالميا باسم Necronomicon — ليس مجرد عنوان في قائمة الكتب الممنوعة أو النادرة، بل هو الظاهرة التي استطاعت أن تطمس الخيط الفاصل بين الواقع والخيال، لتتحول من مجرد شطحات أدبية إلى أسطورة سوداء يطاردها الباحثون عن الغموض حول العالم.
حكايات مرعبة ومخطوطات للسحر الأسود
يعود أصل القصة إلى عشرينيات القرن العشرين، عندما أطلق كاتب الرعب الأمريكي "هـ. ب. لوفكرافت" (H.P. Lovecraft) العنان لمخيلته، مبتكرا شخصية شاعر عربي مجنون يدعى "عبد الله الحظرد". وفقا للمتن القصصي الذي شيده لوفكرافت، فإن الحظرد عكف في صحراء الربع الخالي على كتابة مخطوط غريب عام 730 ميلاديا، أسماه "العزيف" وهي الكلمة العربية التقليدية التي تصف أصوات عزيف الجن والشياطين في الليل.
تحدث المخطوط، بحسب الرواية الخيالية، عن كيانات كونية قديمة كانت تحكم الأرض قبل البشر، وطقوس للسحر الأسود يمك أن تعيد تلك الكائنات مرة ثانية، ولم يكتفِ لوفكرافت بابتكار الاسم والمحتوى، بل حبك قصته بحبكة توثيقية محكمة، حيث ذكر أن الكتاب ترجم إلى اليونانية وتم حرقه بأمر بطريرك القسطنطينية، وفي سنة 1228 ميلادية، ظهرت له ترجمة لاتينية، ليأمر البابا جريجورى التاسع بحظر النسختين، لتستمر الأسطورة بوجود نسخ نادرة منه حتى الآن ولكنها محاطه بالسرية داخل مكتبات كبرى حول العالم.
عبد الله الحظرد أسرار العزيف
وتكمن الإثارة الكبرى لـ "العزيف" في عبقرية الخدعة الأدبية التي انطلت على الملايين. لم يتعامل لوفكرافت مع الكتاب كعنصر هامشي، بل أدرجه في قصصه جنبا إلى جنب مع أسماء شخصيات تاريخية ومدن حقيقية ومراجع علمية قائمة بالفعل.
هذا التداخل المتقن خلق حالة من الإرباك الفكري لدى القراء، وتعاظمت الشائعات حول الكتاب لعدة أسباب:
الاختفاء المريب لمؤلفه، فتذكر الأسطورة أن "الحظرد" لقي حتفه بصورة مرعبة ومجهولة في أزقة دمشق، حيث التهمته كائنات غير مرئية أمام ذهول الشاهدين، مما أضفى صبغة ملحمية على نهاية صاحب المخطوط.
يأتى السبب الثاني في اللعب العوامل النفسية، حيث انتشرت شائعات تفيد أن كل من يقرأ الكتاب يصاب بالجنون أو الهلوسة، وهي الفكرة التي أخذتها سينما الرعب لاحقا وجسدتها في عشرات الأفلام.
أما السبب الثالث هو استمرار البحث عن الكتاب في المكتبات لعقود طويلة، فتلقت مكتبات عالمية مثل مكتبة جامعة هارفارد والمتحف البريطاني، طلبات واستفسارات استعارة جادة من قراء وباحثين على يقين بأن المخطوط محتجز في أقسام المخطوطات السرية.
من الأسطورة إلى الثقافة الشعبية
ومع تزاحم الأسئلة وتعاظم الهوس، التجأ العديد من الناشرين والمؤلفين في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي إلى استغلال الشهرة الجارفة للاسم، وأصدروا كتبا تجارية تحمل اسم Necronomicon تشتمل على طقوس ونصوص سحرية مصنوعة، مما زاد من حالة التخبط والخلط لدى الجمهور بين الأصل الأدبي الخيالي والنسخ التجارية الحديثة.
في النهاية، يظل كتاب "العزيف" شهادة حية على قوة الكلمة وقدرة الأدب على خلق واقع موازى، حيث نجح لوفكرافت في غرس فكرة مرعبة ومغرية في ذهن الثقافة الإنسانية.
