رئيس التحرير
عصام كامل

ستيفن ميلر.. من مراهق يهودي مثير للجدل إلى مهندس سياسات ترامب المتشددة.. يقود أجندة اليمين المتطرف ويحرك مفاتيح النفوذ في البيت الأبيض

اليهودي ستيفن ميلر
اليهودي ستيفن ميلر كبيرا لموظفي البيت الأبيض
18 حجم الخط

ستيفن ميلر، من فتى يهودي مراهق اعتلى خشبة مسرح مدرسته الليبرالية متحديا زملاءه ومعلميه، إلى رجل يجلس اليوم في قلب السلطة الأمريكية، ويمتلك مفاتيح التأثير في قرارات البيت الأبيض؛ هكذا اختصرت رحلة ستيفن ميلر، أحد أكثر الوجوه تشددا ونفوذا في الدائرة المقربة من دونالد ترامب، بعدما اختاره الرئيس الأمريكي لمنصب كبير موظفي البيت الأبيض، بعد يومين فقط من هزيمة الجمهوريين لانتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي.

لم تكن رحة ميلر مجرد صعود سياسي تقليدي، بل مسار رسم خطوطه على وقع الصدام مع قيم التعددية والهجرة، وصولا إلى اعتناق رؤية للعالم لا ترى في القوة سوى اللغة الأكثر فاعلية لحسم الصراعات، ليصبح الرجل الذي همس بأفكار اليمين المتطرف في أذن ترامب أحد أبرز مهندسي سياساته، وذراع حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا" (ماجا) اليمينة المتشددة القوية في المكتب الرئاسي البيضاوي.

نشأة يهودية ودفاع عن مغتصبي الفتيات

تبدأ قصة ميلر، المولود عام 1885، في مكان كان من الصعب فيه توقع بروز أحد رموز اليمين الأمريكي. فقد ولد ونشأ في سانتا مونيكا، وهي مدينة ليبرالية على ساحل المحيط الهادئ، في عائلة يهودية ذات خلفية ديمقراطية. إلا أنه في سن المراهقة، تبنى مواقف محافظة واضحة، واصطدم مع أساتذته وطلابه حول قضايا الهجرة والتعددية الثقافية والسياسية.

يمثل ستيفن ميلر صدى صوت لأفكار ترامب العنصرية المتشددة
يمثل ستيفن ميلر صدى صوت لأفكار ترامب العنصرية المتشددة

كما شارك ميلر في برامج إذاعية محافظة، وانتقد استخدام اللغة الإسبانية في المدارس، وجادل بأن النظام التعليمي يفرض رؤية ليبرالية على طلابه. وبعد هجمات 11 سبتمبر 2001، اشتدت معارضته لما وصفه بمعاداة أمريكا في المؤسسات التعليمية. وأصبح فيما بعد شريكا للناشط المحافظ ديفيد هورويتز، الذي انتقل بدوره من اليسار الراديكالي إلى اليمين.

وواصل ميلر إثارة الجدل أثناء دراسته في جامعة ديوك، واكتسب شهرة واسعة عندما دافع عن عدد من لاعبي فريق رياضة الـ"لاكروس" بالجامعة، وهي رياضة أمريكية تعود جورها إلى السكان الأصليين، اتهموا باغتصاب إحدى الفتيات في فضيحة هزت أرجاء الحرم الجامعي عام 2006. وامتد دفاعه عن المغتصبين إلى خارج جدران الجامعة، وعبر شاشات التليفزيون. 

مهندس سياسة ترحيل المهاجرين

وبعد تخرجه وحصوله على درجة البكالوريوس في الفلسفة عام 2007، انتقل إلى واشنطن العاصمة، وعمل لدى أعضاء جمهوريين في الكونجرس، ثم عمل لاحقا لدى السيناتور جيف سيشنز من ولاية ألاباما، الذي كان يعتبر من أبرز معارضي الهجرة غير الشرعية. وهناك، تبلورت لديه رؤيته بأن الهجرة ليست مجرد قضية إنفاذ قانون، بل هي قضية تمس الهوية الوطنية والثقافية للولايات المتحدة.

يؤمن ميلر بأن القوة هي اللغة الأكثر فاعلية لحسم الصراعات على مستوى العالم
يؤمن ميلر بأن القوة هي اللغة الأكثر فاعلية لحسم الصراعات على مستوى العالم

وبحسب تقارير إعلامية، بدأ ميلر مسيرته المهنية في واشنطن مستشارا إعلاميا لعدد من أقطاب المحافظين وحركة "حفل الشاي" في الكونجرس، وهي حركة نشأت عام 2009 داعية إلى خفض الإنفاق الحكومي، واختارت اسمها من حادثة تاريخية شهيرة عرفت بـ"حفلة شاي بوسطن"، تعود إلى عام 1773 عندما ألقى مجموعة من المحتجين صناديق الشاي في مينناء بوسطن رفضا للضرايب البريطانية.

كما عمل ميلر سكرتيرا صحفيا لعضوة مجلس النواب الجمهورية ميشيل باكمان، المعروفة بآرائها اليمينية الحادة، قبل أن ينتقل إلى العمل مديرا للاتصالات لدى عضو مجلس الشيوخ الجمهوري جيف سيشنز، المعروف بآرائه القومية المتشددة تجاه المهاجرين، حتى لقب مهندس سياسة ترحيل المهاجرين.

التقرب من دائرة ترامب

عندما أطلق ترامب حملته الرئاسية في عام 2015، وجد ميلر فيه مرشحا معبرا عن أفكاره، وانضم إلى حملة ترامب الانتخابية، وأصبح أحد أبرز الشخصيات التي تتولى كتابة خطاباته؛ حيث ساعد في صياغة رسائله المناهضة للهجرة ورسائل "أمريكا أولا".

وخلال فترة ولاية ترامب الأولى، شارك ميلر في تقييد دخول مواطني الدول ذات الأغلبية المسلمة، وتقليص برامج استيعاب اللاجئين، وفصل الأطفال عن آبائهم على الحدود مع المكسيك، دون النظر إلى الانتقادات التي أشعلتها تلك السياسات.

ميلر بصحبة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو وإيفانكا ترامب
ميلر بصحبة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو وإيفانكا ترامب

وعلى عكس العديد من المستشارين الذين انفصلوا عن ترامب بعد خسارته في انتخابات عام 2020، حافظ ميلر على الدوران في فلكه خلال فترة حكم الرئيس السابق جو بايدن، وشارك في تأسيس منظمة "أمريكا أولا القانونية" التي خاضت معارك قانونية ضد سياسات الإدارة الديمقراطية، لصالح ترامب.

ومع عودة ترمب إلى السلطة في يناير 2025، عاد ميلر بقوة أكبر وتولّى منصب نائب رئيس موظفي البيت الأبيض للسياسات ومستشار الأمن الداخلي، وهو الموقع الذي أتاح له توسيع نفوذه ليشمل ملفات الخارجية والأمن القومي، بجانب إشرافه المباشر على عمليات الترحيل الواسعة.

في مايو 2025، كشف موقع "أكسيوس" أن ميلر ووزيرة الأمن الداخلي آنذاك كريستي نويم طالبا قادة إدارة الهجرة والجمارك باعتقال ما لا يقل عن 3000 مهاجرا يوميا، ما أدى إلى مداهمات واسعة النطاق في المدن الأمريكية واشتباكات بين عناصر الهجرة المسلحين والسكان والمتظاهرين، ومقتل عدد منهم، ما أثار حملة غضب كبيرة في الأوساط الشعبية الأمريكية.

كلب الحراسة الوفي

كان ميلر بمثابة "كلب الحراسة الوفي المدافع عن جميع قرارات  ترامب"؛ فبعد أن أبطل القضاة بعض تعريفات ترامب الجمركية على الواردات، وصف الحكم بأنه "انقلاب قانوني". وفي قضايا أخرى، هاجم القضاة ووصفهم بالماركسيين والشيوعيون.

وعمل ميلر على توسيع نطاق مشاركته في السياسة الخارجية والأمن القومي. وشارك في مناقشات تتعلق بالعملية الأمريكية في فنزويلا ومكافحة عصابات المخدرات في أمريكا اللاتينية. وعندما أثار ترامب احتمال الاستيلاء على جزيرة جرينلاند الدنماركية، قدم ميلر رؤية للعالم مفادها أن العلاقات الدولية تحسم في نهاية المطاف بالقوة.

الإيمان بعصر القوة

في مقابلة مع شبكة "سي إن إن" الأمريكية، قال ميلر: "نحن نعيش في عالم يمكنك فيه التحدث كما تشاء عن قواعد السلوك الدولية".لكن في العالم الحقيقي، فإن ستخدام القوة هو الذي يحكم. هذه هي القوانين الحديدية للعالم إلى الأبد".

يوصف ميلر بأنه مهندس سياسة ترحيل المهاجرين المثيرة للجدل
يوصف ميلر بأنه مهندس سياسة ترحيل المهاجرين المثيرة للجدل

وفي مقابلة مع شبكة "بلومبيرج" في يناير من هذا العام، وصف رئيس مجلس النواب السابق نيوت جينجريتش مكانة ميلر لدى ترامب بأنها تكاد تضاهي مكانة وزير في الحكومة، مضيفا: ترامب يراه ممثلا قادرا على شغل "ستة أو سبعة أدوار مختلفة"!

يهودي ينافق ترامب حتى النخاع

تحتل الهوية اليهودية لدى ميلر مكانة خاصة في قصته. فهو متزوج من كاتي ميلر، وهي يهودية أيضا، وشغلت مناصب في إدارة ترامب؛ حيث تزوجا عام 2020 في حفل أشرف عليه الحاخام أرييه لايتستون، الذي انخرط لاحقا في الترويج لما يعرف بـ"اتفاقيات أبراهام"، وهو الآن عضو في مجلس السلام الذي أنشاه ترامب بزعم "تحقيق السلام في غزة"!

والعجيب أن سيسات ميلر الموؤيدة للرئيس الأمرييك على طول الخط أثارات انتقادات حتى من داخل عائلته؛ حيث اتهمه خاله ديفيد جلوسر، في مقال نشره موقع "بوليتيكو" الأمريكي عام 2018، بالنفاق فيما يتعلق بالهجرة. وذكر أن أسلاف العائلة فروا من الاضطهاد في أوروبا، وأن أحدهم، وولف-ليب جلوسر، وصل إلى الولايات المتحدة عام 1903 ومعه ثمانية دولارات فقط.

وبحسب العم، لو تم تطبيق سياسة الهجرة التي روج لها ميلر في ذلك الوقت، لربما لم تتمكن عائلته من الوصول إلى أمريكا والبقاء على قيد الحياة.

في عام 2019، طالبت منظمات أمريكية بإقالة ميلر، عقب نشر مراسلات أثارت اتهامات بالترويج لأفكار تفوق العرق الأبيض. وقد رفض ميلر هذه الانتقادات، زاعما أن بعض الهجمات عليه تنبع من معاداة السامية تجاه مسؤول حكومي يهودي.

وفي المحصلة، فإن الصبي اليهودي الذي وقف قبل ما يقرب من ربع قرن أمام طلاب مدرسة ليبرالية في كاليفورنيا ووعد بقول أشياء لا يجرؤ أحد على قولها، أصبح اليوم في وضع يمكن أن تؤثر فيه كلماته على سياسة أقوى قوة في العالم.

الجريدة الرسمية