رئيس التحرير
عصام كامل

خبر وتحليل

من كراهية النساء إلى تهديد مطارات أوروبا، "دولة الذكور" الروسية تنقل تطرفها من الفضاء الرقمي إلى ساحة الحروب الهجينة

طائرة تقلع من مطار
طائرة تقلع من مطار ليوناردو دا فينشي بالقرب من روما
18 حجم الخط

 من مشروع تجاري قائم على النكات والنقاشات حول العلاقات، إلى حركة يمينية متطرفة تتبنى كراهية النساء وتروج للقومية المتشددة، وصولا إلى تهديدات بوجود قنابل أربكت حركة الطيران الأوروبية؛ قطعت حركة "دولة الذكور" الروسية مسارا لافتا في تطورها وأهدافها. وبينما تتسع التحقيقات في موجة الإنذارات الأمنية التي ضربت مطارات أوروبية، تبرز خلفية الحركة وتحولاتها، من استهداف النساء والأقليات إلى دعم الحرب الروسية في أوكرانيا، باعتبارها نموذجا لتمدد التطرف الرقمي وتوظيفه في نشر الخوف والفوضى.

وفي السياق، عادت الإنذارات بوجود قنابل، اليوم الجمعة، لتضرب مطارات وشركات طيران في عدة دول أوروبية، من فرنسا وإيطاليا إلى البرتغال والتشيك والدنمارك والمجر، وسط استنفار أمني واسع شمل تفتيش الطائرات ومرافقتها بمقاتلات وتحويل مسارات بعضها. ويثير اتساع نطاق هذه التهديدات وتكرارها خلال أيام مخاوف من تحولها إلى مصدر اضطراب أمني متصاعد يهدد انتظام حركة الملاحة الجوية الأوروبية، رغم عدم العثور حتى الآن على أي متفجرات. 

وجاءت تلك التهديدات بعد يوم واحد فقط من موجة بلاغات كاذبة بوجود قنابل، لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الإنذارات الأمنية الجديدة التي استهدفت مطارات ومؤسسات إعلامية أوروبية، فيما تبنت جهة تطلق على نفسها "مقاتلو دولة الذكور" التهديدات التي طالت بعض الطائرات أمس الخميس.

 

تهديدات سيبرانية ضخمة

 وشهدت أوروبا خلال الأسبوع الجاري سلسلة من حوادث الاختراق الإلكتروني، شملت ثلاجات في متاجر كبرى، فيما قلل مسؤولون فرنسيون من حجم تأثير هجمات سيبرانية استهدفت ثلاثة بنوك للدم على الأقل في فرنسا. وفي تطور آخر، أعلن بنك فرنسي كبير، الخميس، تعرضه لسرقة إلكترونية تجاوزت قيمتها 112 مليون دولار، مؤكدًا بدء العمل على استرداد الأموال، بحسب مجلة "نيوزويك" الأمريكية.

وتأتي الموجة الجديدة بعد يوم واحد من سلسلة بلاغات كاذبة بوجود قنابل تسببت في تعطيل عشرات الرحلات الجوية، فيما نقلت وكالة "أسوشيتد برس" الأمريكية عن مسؤول لم تكشف عن هويته في مطار أوروبي، قوله إن المطار تلقى رسالة من مجموعة تصف نفسها بأنها مناهضة للنسوية، إلا أنه لم يتضح ما إذا كانت الرسالة صادرة عن الجهة نفسها، أو أي مطار كان مستهدفا.

وبحسب مجلة "نيوزويك"، حملت الرسالة الموجهة عبارة: "نحن مقاتلو دولة الذكور، سنترك بصمة في التاريخ بأفعالنا اليوم"، متوعدة بـ"تحويل السماء إلى اللون الأحمر" عبر تفجير العبوات الناسفة المزعومة.

مجموعة معادية للنساء تتبنى المسؤولية

ما هي حركة "دولة الذكور"؟ ومتي تأسست؟ وما هي أهم دوافعها؟ الإجابة على تلك الأسئلة وغيرها حملها تقرير سابق نشره "المركز الدولي لمكافحة الإرهاب"، الذي يتخذ من مدينة لاهاي الهولندية مقرا له منذ تأسيسه في عام 2010.

بحسب التقرير، فإن حركة "دولة الذكور" هي حركة يمينية متطرفة روسية تحولت من واحدة من أكثر الحركات كراهية للنساء في روسيا إلى إحدى الجهات الرئيسية الداعمة والمروجة للحرب في أوكرانيا عبر الإنترنت.

وتأسست الحركة –بحسب "المركز الدولي لمكافحة الإرهاب"- في روسيا عام 2016 على يد فلاديسلاف بوزدنياكوف، وهو مدون ومدرب لياقة بدنية؛ حيث كان هدفه في البداية إنشاء منصة مخصصة للنكات والنقاشات حول العلاقات، بهدف تحقيق الربح المادي. 

ومع ذلك، تطورت المجموعة تدريجيا لتصبح شيئا آخر؛ حيث تحولت إلى فضاء لا تقتصر فيه ممارسات "الذكورية السامة" وكراهية النساء على كونها أمورا مقبولة اجتماعيا فحسب، بل تطورت لتشكل أيديولوجية شبه سياسية أطلق عليها اسم "الأبوية القومية".

وحملت الحركة في بداياتها تصورات محددة حول واجبات المرأة والتزاماتها؛ إذ يُفترض بها تربية الأطفال، والاعتناء بالمنزل، ودعم زوجها. كما يُتوقع منها الالتزام بالاحتشام، والامتناع عن شرب الكحول أو إقامة علاقات جنسية قبل الزواج، وطاعة زوجها وتبجيله، ومعرفة حدود دورها. كما دعا بوزدنياكوف إلى تعديل القوانين لإقصاء النساء تماما عن الحياة السياسية.

الفكرة بدأت بمشروع تجاري

على الرغم من أن الحركة بدأت كمشروع تجاري، إلا أن طموحاتها سرعان ما تجاوزت مجرد السيطرة على النساء، لتصل إلى هدف إعادة بناء روسيا استنادا إلى أفكار يمينية متطرفة، تحولت معها الحركة إلى "فضاء من الجماعات والخطابات الرقمية التي تتبنى تصورات متشددة بشأن الذكورة والنساء"، وفق "المركز الدولي لمكافحة الإرهاب".

وقد عمل "بوزدنياكوف"، وفق المركز الهولندي، على ترجمة هذه الطموحات إلى ممارسات فعلية، وحاول بوزدنياكوف التعاون مع "الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي" المعروف بأفكاره اليمينية المتطرفة وبزعيمه آنذاك، فلاديمير جيرينوفسكي، الذي عرف بتصرفاته الغريبة داخل البرلمان الروسي. وقد سعى بوزدنياكوف لإقناع الحزب بتبني أفكاره، لكنه لم ينجح في ذلك. 

واكتسبت حركة "دولة الذكور" شهرة سيئة في عام 2018، عقب بطولة كأس العالم لكرة القدم التي أقيمت في روسيا؛ حيث شن بوزدنياكوف وحلفاؤه حملة ضد النساء اللواتي شوهدن يخرجن مع أجانب -وخصوصا من غير البيض- أو اللاتي وجهت إليهن اتهامات بإقامة علاقات جنسية معهم. ونشرت الحركة صورا ومقاطع فيديو لهؤلاء النساء على قناتها عبر تطبيق "تيليجرام".

ورغم أن أعضاء الحركة كانوا في الغالب من فئة الشباب والرجال، قالت بعض النساء إنهن انضممن إليها. وأشار مراقبون إلى أن كثيرًا من متابعيها سعوا إلى النأي بأنفسهم عن مجتمع "إنسيل، وهو مصطلح يشير إلى الأشخاص الذين يعانون من العزوبة القسرية، ويستخدمه رجال عبر الإنترنت يلقون باللوم على النساء بسبب عجزهم عن إقامة علاقات عاطفية أو جنسية.

تحول لافت عقب الحرب الروسية الأوكرانية

وشهدت الحركة تحولا لافتا عقب الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت في 24 فبراير 2022، وتحول تركيزها بشكل ملحوظ من المنشورات المعادية للنساء إلى منشورات تتناول الحرب في أوكرانيا، واعتدات استخدام منشورات ذات طابع عنيف وعنصري للغاية.

ومن المثير للاهتمام أيضا أن الحركة –بحسب "المركز الدولي لمكافحة الإرهاب"- كانت في بداياتها تعارض الحكومة الروسية علنا بدعوى أنها "ليست قومية بما يكفي"، بينما تبدو اليوم داعمة لها، وتعتبر الحرب قرارا صائبا.

ولا يتطلب إطلاق تهديدات كاذبة بوجود قنابل مستوى عاليا من التطور التقني، لكنه قد يكون وسيلة فعالة ومنخفضة التكلفة لإحداث الفوضى وبث الخوف بين السكان المدنيين. ويعد تأجيج مشاعر الارتياب والانقسام أحد الأهداف الرئيسية للحروب الهجينة، وفق مجلة "نيوزويك".

الجريدة الرسمية