رئيس التحرير
عصام كامل

من فضائل سيناء

18 حجم الخط

لم تكن يومًا أرض سيناء كباقي البقاع في العالم أجمع؛ فهي الأرضُ الوحيدةُ التي شَهِدَت تجلّي الله –تعالى- للجبل، وتكليمه نبيه موسى -عليه السلام-؛ ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 143].


بل وصف الحق -سبحانه وتعالى- هذا المكان بالبقعة المباركة: ﴿ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: 30]. 


وأمر كليمه بخلعِ نعليه تعظيمًا لِقُدْسِيَّته: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْك إّنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: 12]. ولم يقف أمر هذه البقعة المباركة عند هذا الحد؛ بل أقسم الله -عز وجل- بها في القرآن الكريم لبيان شرفها وعَظَمَةِ قَدْرِها ومكانتها عنده، فقال: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: 1- 3]. 


يقول القرطبي: "مَا من شيء أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ إِلَّا وَذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى فَضْلِهِ عَلَى مَا يَدْخُلُ فِي عِدَادِهِ".[تفسير القرطبي (10/ 40)]. ولأرض سيناء (إضافة إلى ما سبق) فضيلة اقتصادية يمكن أن نلمحها من قوله تعالى: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ} [المؤمنون: 20] 


حيث جعل الحق -سبحانه وتعالى- شجرة الزيتون التي تنبت في جبل الطور في الوادي المقدس من جملة نِعَمِه على الخلق، شأنها شأن ما نصّ عليه من نِعَمٍ في الآيات التي سبقت هذه الآية: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ * وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ * فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } [المؤمنون: 17- 19]


ويكفي أرض الفيروز فخرًا أنها كانت محطة مرور بعض من أنبياء الله ورسله؛ كالخليل إبراهيم –عليه السلام-، ونبي الله يوسف، وأبيه يعقوب، وإخوته أسباط بنى إسرائيل.


بل وتزداد فضلًا تلك البقعة المباركة بصلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها في رحلة الإسراء؛ فعن أَنَس بْن مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «أُتِيتُ بِدَابَّةٍ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ خَطْوُهَا عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهَا، فَرَكِبْتُ وَمَعِي جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فَسِرْتُ فَقَالَ: انْزِلْ فَصَلِّ فَفَعَلْتُ. 

فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ صَلَّيْتَ بِطَيْبَةَ وَإِلَيْهَا الْمُهَاجَرُ، ثُمَّ قَالَ: انْزِلْ فَصَلِّ فَصَلَّيْتُ، فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ صَلَّيْتَ بِطُورِ سَيْنَاءَ حَيْثُ كَلَّمَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، ثُمَّ قَالَ: انْزِلْ فَصَلِّ فَنَزَلْتُ فَصَلَّيْتُ. فَقَالَ: أَتَدْرِي أَيْنَ صَلَّيْتَ؟ صَلَّيْتَ بِبَيْتِ لَحْمٍ حَيْثُ وُلِدَ عِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ-. ثُمَّ دَخَلْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَجُمِعَ لِيَ الْأَنْبِيَاءُ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ-...». [سنن النسائي، حديث رقم (450)].
حفظ الله أرض سيناء، وحفظ مصرنا الحبيبة، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الجريدة الرسمية