رفعة الدرجات.. كيف رفع الإسلام شأن المعلم
أولى الإسلامُ المعلِّمَ، في أيِّ فنٍّ من فنونِ العلومِ المباحةِ، دينيَّةً كانتْ أو دنيويَّةً، عنايةً عظيمةً؛ فرفعَ من شأنِهِ، وبيَّنَ مكانتَهُ العاليةَ ودورَهُ الجليلَ في غرسِ القيمِ، وتوجيهِ السلوكِ، وتكوينِ شخصيَّةِ الأجيالِ. وقد تواردتْ أدلَّةُ الشرعِ على الإشادةِ بفضلِ العلماءِ، والإشارةِ إلى علوِّ مقامِهم.
ومن ذلك قولُ الحقِّ تباركَ وتعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]. فمن بابِ تكريمِ اللهِ تعالى لأهلِ العلمِ والمعلِّمينَ ومدحِهم قضى برفعِ درجاتِهم في الدنيا بالثناءِ الحسنِ، وفي الآخرةِ بالمنزلةِ العاليةِ في الجنَّةِ. وفي هذا بيانٌ من اللهِ سبحانه بأنَّ الرفعةَ عندَهُ بالعلمِ والإيمانِ؛ فيرفعُ المؤمنَ بإيمانِهِ أوَّلًا، ثمَّ بعلمِهِ ثانيًا. [تفسير القرطبي (17/299)].
كما نجدُ أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى قد قرنَ شهادةَ العلماءِ، وعلى رأسِهم العلماءُ المعلِّمونَ، بشهادتِهِ وشهادةِ ملائكتِهِ في أعظمِ أمرٍ، وهو التوحيدُ، فقالَ في محكمِ آياتِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: 18].
ويكفي المعلِّمَ فخرًا أنَّهُ وارثُ الأنبياءِ، وأنَّهُ مُصلًّى عليه ومستغفَرٌ له، وأنَّ فضلَهُ على العابدِ كفضلِ القمرِ ليلةَ البدرِ على سائرِ الكواكبِ، بل وردَ في بعضِ الرواياتِ ما يدلُّ على عظيمِ منزلةِ العالِمِ ورفعةِ شأنِهِ. ففي الحديثِ: «... وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ، كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» [سنن الترمذي، حديث رقم (2682)].
وفي روايةٍ: «ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالْآخَرُ عَالِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ، حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ، لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ"» [سنن الترمذي، حديث رقم (2685)].
كما يكفيهِ فخرًا أنَّهُ واسطةٌ بين النبوَّةِ والشهادةِ في سبيلِ اللهِ في الشفاعةِ لغيرِهِ يومَ القيامةِ؛ بشهادةِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فأعظمْ بها من منزلةٍ. فعن عثمانَ بنِ عفَّانَ رضي اللهُ عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «يَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ: الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْعُلَمَاءُ، ثُمَّ الشُّهَدَاءُ» [سنن ابن ماجه، حديث رقم (4313)].
هذا، وقد جعلَ الإسلامُ أثرَ المعلِّمِ خالدًا لا ينقطعُ بموتِهِ؛ فأجرُهُ ممتدٌّ، وثوابُهُ متجدِّدٌ أبدًا. ففي الصحيحِ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» [صحيح مسلم، حديث رقم (1631)].
فأنعمْ بها من منزلةٍ تلكَ التي للعلماءِ، مرجعِ الأمَّةِ؛ مصداقًا لقولِهِ تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[النحل: 43]، وقولِهِ سبحانه: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]. فهم في الأرضِ بمنزلةِ النجومِ في السماءِ، بهم يهتدي الحيرانُ في الظلماء. وصلَّى اللهُ على سيِّدِنا محمدٍ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ.

