رئيس التحرير
عصام كامل

التنمر الاجتماعي ضد كبار السن

18 حجم الخط

لم تكتف الشريعة الإسلامية بنهي المجتمع عن إيذاء كبار السن بأي شكل من أشكال الأذى النفسي أو اللفظي أو البدني فحسب، بل إنها قد وضعت بمبادئها السامية سياجًا متينًا لحمايتهم، فأوجبت احترامهم وإكرامهم ورعايتهم، وتوقير شيبتهم؛ والذي اعتبرته من إجلال الله –تعالى-، فعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ» [سنن أبي داود، حديث رقم (4843)].


فقد جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- احترام كبير السن جزءًا لا يتجزأ من تعظيم الله -سبحانه وتعالى- وإجلاله. بل توعد من لم يعرف لكبير السن حقه بنفي الفضل والكمال عنه؛ فقال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا».[المستدرك على الصحيحين للحاكم، حديث رقم (209)].


هذا؛ وقد ظهرت في الآونة الأخيرة بعض السلوكيات السلبية الدخيلة على القيم الدينية والأخلاقية والصادرة عن بعض الأفراد تجاه كبار السن ترمي إلى الإساءة إليهم، أو الانتقاص من قدراتهم الجسدية والعقلية، أو ممارسة التهميش والعزل الاجتماعي بحقهم، وهو ما يطلق عليه مصطلح: التنمر الاجتماعي ضد كبار السن.
 

فكم من شخص وقع في رذيلة استخدام ألقاب تنقص من قدر كبار السن، أو السخرية من بطء حركتهم، أو الاستهزاء بنسيانهم وثقل سمعهم، أو تهميش آرائهم، أو تجنب الحديث معهم، أو إظهار الضيق والملل من حديثهم وذكرياتهم، أو نشر صور أو مقاطع مصورة تُظهر عجزهم أو زلاتهم على منصات التواصل الاجتماعي بقصد الإضحاك والسخرية.


وهو أمر ترفضه الشريعة الإسلامية، بل وترفضه كل فطرة سليمة أن تقابل مَن قضوا زهرة أعمارهم في خدمة مجتمعاتهم وبناء أسرهم بشيء من السخرية أو الازدراء المحرمان شرعًا بنص قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ} [الحجرات: 11]، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ».[صحيح مسلم، حديث رقم (2564)].


فعلى الأجيال الناشئة أن تعي أن الكبر مرحلة يمر بها الجميع، وأن ما يقدمه المرء اليوم لكبار السن من احترام وإحسان هو ما سيحصده غدًا عندما يبلغ مرحلة الكبر، مصداقًا لسُنّة الله الجارية في خلقه؛ كما قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً} [الروم: 54].


وعلى المجتمع ككل غرس قيمة احترام الكبير وتوقيره في نفوس الناشئة والأبناء منذ الصغر سواء داخل الأسرة والمؤسسات التعليمية أو خارجها. فاحترام وتوقير كبار السن ليس مجرد سلوك ذوقي أو خيار اجتماعي، بل هو فريضة شرعية وواجب أخلاقي يعكس تحضر المجتمع ومدى تمسكه بقيمه الإنسانية النبيلة.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين

الجريدة الرسمية