الكنائس تفتح أبوابها للفقراء في زمن قلت فيه الحيلة
وراء جدران الكنائس حكايات كثيرة لا يعرفها البعض، لأسر وجدت من يمد لها يد المساعدة في وقت ضاقت فيه سبل الحياة، ومرضى حصلوا على فرصة للعلاج، وأطفال وجدوا من يساعدهم على استكمال تعليمهم، ونساء بدأن مشروعات صغيرة غيرت مسار حياتهن.
الكنائس الثلاثة تتخذ من خدمة الفقراء عملا تنمويا
فخدمة الفقراء لم تكن يوما مجرد نشاط موسمي يرتبط بالأعياد والمناسبات، لكنها تحولت عبر عقود إلى عمل اجتماعي وتنموي ممتد، تتنوع أدواته بين المساعدات المباشرة والرعاية الصحية والتعليم والتمكين الاقتصادي.
وفي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، تمثل أسقفية الخدمات العامة والاجتماعية والمسكونية أحد أبرز أوجه هذا الدور، بعدما بدأت مسيرتها عام 1962، لتتسع خدماتها على مدار عقود وتشمل الأسر الأكثر احتياجا، والتعليم، والصحة، ورعاية الأيتام والأرامل وكبار السن، إلى جانب التدخل في أوقات الأزمات والكوارث.
ويضع البابا تواضروس الثاني رعاية المحتاجين في قلب المسؤولية الكنسية، ففي حديثه إلى كهنة الرعاية الاجتماعية، شدد على أن مساعدة الإنسان لا تقتصر على تقديم المال، وإنما تشمل تلبية احتياجاته الروحية والنفسية والجسدية، قائلا إن الخدمة تحتاج إلى التواجد والقدرة والإحساس بالمسؤولية. كما أكد أهمية معرفة أحوال الأسر وتحديث بياناتها باستمرار حتى تصل المساعدة إلى مستحقيها.
ولم يقتصر اهتمام البابا بالخدمة الاجتماعية على التوجيهات، بل ظهرت ملامحه في مشروعات المكتب البابوي للمشروعات، الذي يقدم مساعدات غذائية شهرية لآلاف الأسر، خاصة الأرامل، تشمل المواد الغذائية واللحوم أو الدواجن والفاكهة، إلى جانب المساهمة في مصروفات التعليم.
وعلى الجانب الإنجيلي، تمتد تجربة الهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية إلى خمسينيات القرن الماضي، عندما بدأت بمبادرات لمحو الأمية وخدمة القرى الفقيرة، قبل أن تتحول إلى مؤسسة تنموية تعمل في مجالات متعددة، من بينها التمويل متناهي الصغر، وتنمية الريف، والصحة، والتعليم، وتمكين المرأة والشباب، ودعم الأشخاص ذوي الإعاقة.
ويؤكد الدكتور القس أندريه زكي، رئيس الطائفة الإنجيلية ورئيس الهيئة، أن رسالتها تقوم على تحسين حياة المواطن الفقير والمهمش، أيا كان وأينما كان، وتوفير فرص العيش الكريم والمستدام، مع الاهتمام بالنساء والشباب والأطفال وذوي الإعاقة.
وفي تصريحات صحفية سابقة، قال زكي إن الهيئة تخدم ملايين المواطنين سنويا دون النظر إلى الدين أو اللون أو الجنس، مؤكدا أن الخدمة المجتمعية ليست عملا منفصلا عن رسالة الكنيسة، وإنما جزء أصيل من ارتباطها بالناس وقضاياهم.
أما الكنيسة الكاثوليكية، فتبرز في تجربتها جمعية كاريتاس مصر، التي تأسست عام 1967، وأصبحت واحدة من المؤسسات الرئيسية للعمل الاجتماعي والإنساني، من خلال برامج تستهدف الفقراء والمهمشين، وتشمل الرعاية الصحية، والتعليم، وحماية الأطفال، ودعم ذوي الإعاقة، ومشروعات التنمية والقروض الصغيرة.
ومن جانبه، أكد الأنبا إبراهيم إسحق، بطريرك الإسكندرية للأقباط الكاثوليك، خلال اجتماع كاريتاس الشرق الأوسط الذي استضافته مصر عام 2023، أن الكنيسة تثمن جهود المؤسسات التي تعمل على النهوض بالإنسان دون تمييز، ووضع منظمة كاريتاس في مقدمة هذه المؤسسات، مشيرا إلى أن رسالتها تقوم على المحبة وتقديمها للجميع، وأنها تركت بصمات واضحة في المجتمع المصري.
وتعكس هذه الرؤية طبيعة الدور الذي تقوم به المؤسسات الكاثوليكية، والذي لا يتوقف عند الإغاثة، بل يمتد إلى مساعدة الإنسان على استعادة قدرته على العمل والحياة والمشاركة في المجتمع.
وبين أسقفية الخدمات والهيئة الإنجيلية وكاريتاس، تتعدد أسماء المؤسسات والبرامج، لكن تظل هناك مساحة مشتركة تجمع تجاربها، وهي أن الفقر لا يواجه بالطعام والمال وحدهما، وإنما بالتعليم والعلاج والعمل وإتاحة الفرصة أمام الإنسان ليقف من جديد.
فالمساعدة قد تسد احتياجا عاجلا، لكن المشروع الصغير يمكن أن يفتح باب رزق لأسرة، والعلاج قد يعيد مريضا إلى حياته، والتعليم قد يمنح طفلا مستقبلا مختلفا.
وهكذا تظل خدمة الفقراء واحدة من أهم صور حضور الكنائس المصرية في المجتمع، ليس بما تقدمه في المناسبات فقط، وإنما بما تتركه من أثر في حياة الناس، وبما تؤكده من أن كرامة الإنسان يجب أن تسبق أي اعتبار آخر.



