رئيس التحرير
عصام كامل

التعليم الأرثوذكسي: البابا تواضروس يضع دستور خدمة الكلمة في الكنيسة

البابا تواضروس
البابا تواضروس
18 حجم الخط

ليست الكلمة التي تخرج من فم الخادم مجرد حديث ينتهي بانتهاء سماعه، بل أمانة تحمل مسؤولية ما تتركه في النفوس، وما تزرعه في العقول والقلوب. وبين قراءة تنقل النص المقدس كما هو، ووعظ يلامس احتياجات الإنسان، وتعليم يحفظ الإيمان من جيل إلى جيل، تتحدد ملامح الخدمة الكنسية التي لا تكتفي بنقل المعرفة، بل تسعى إلى تغيير الحياة.

ومن هذا المنطلق، وضع البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية ملامح ما يمكن وصفه بدستور خدمة الكلمة في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، محددا ثلاثة أركان رئيسية تقوم عليها هذه الخدمة، هي القراءة والوعظ والتعليم، انطلاقا من وصية بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس: «اعكف على القراءة والوعظ والتعليم»، في تأكيد على أن الكلمة مسؤولية روحية لا تحتمل العشوائية أو التعامل معها باعتبارها مجرد نشاط من أنشطة الخدمة.

القراءة.. أمانة النص قبل اجتهادات الخادم

يبدأ التعليم الأرثوذكسي من احترام النص الكتابي، فلا يكون الخادم ناقلا لأفكاره الشخصية، وإنما أمينا للكلمة التي اؤتمن على شرحها. فالقراءة، بحسب رؤية البابا تواضروس، ليست مجرد نطق بآيات الكتاب المقدس، بل هي التزام بفكر النص وسياقه ومعناه، حتى لا تتحول الرسالة الإلهية إلى مساحة لانتقاء ما يوافق الآراء الشخصية أو إغفال ما لا يتفق معها.

وتكتسب القراءة في الكنيسة بعدا ليتورجيا يتجاوز المعرفة الفردية، إذ ترتبط بمنهج قرائي متكامل يضم قراءات البولس والكاثوليكون والإبركسيس والمزمور والإنجيل، في سياق يربط المؤمن بتاريخ الخلاص وتعاليم الكتاب المقدس.

ولا ينفصل ذلك عن القراءة الفردية داخل المنزل، التي تمثل بابا للتعلم والنمو الروحي، وتساعد المؤمن على تعميق علاقته بكلمة الله، بعيدًا عن الاكتفاء بسماعها داخل الكنيسة.

الوعظ.. كلمة تداوي النفوس وتوقظ الضمائر

أما الوعظ، فلا يقف عند حدود تقديم المعلومات أو إلقاء محاضرة دينية، بل يرتبط بالمسيح والدعوة إلى التوبة وتجديد الحياة. فالعظة الناجحة ليست الأكثر بلاغة بالضرورة، وإنما الأقدر على الوصول إلى الإنسان ومساعدته على مواجهة ضعفه، دون قسوة أو إدانة.

ويشدد البابا تواضروس على أن الواعظ يحمل أمانة تجاه النفوس التي يخاطبها، مستلهمًا وصية بولس الرسول: «شجعوا صغار النفوس. أسندوا الضعفاء. تأَنَّوا على الجميع».

ومن هنا، تصبح مراعاة اختلاف احتياجات الناس جزءًا أصيلًا من مسؤولية الواعظ، فهناك من يحتاج إلى التشجيع، ومن يبحث عن سند في ضعفه، ومن يحتاج إلى كلمة توقظ ضميره وتدفعه إلى مراجعة حياته.

وفي هذا الإطار، تبرز حكمة القديس يوحنا ذهبي الفم في تشبيه الكلمة بالعلاج، إذ لا تكفي صلاحية الدواء وحدها، بل تلزم أيضا حكمة الطبيب في تقديمه. وهي رؤية تجعل الوعظ فعل رعاية ومسؤولية، غايته خلاص الإنسان ومساعدته على التحرر من الخطية.

التعليم.. الإيمان أمانة تنتقل بين الأجيال

يمثل التعليم الركن الثالث في هذه الرؤية، وهو المسؤول عن ترسيخ الإيمان الأرثوذكسي ونقله بأمانة من جيل إلى آخر. فالمطلوب ليس مجرد تعريف المؤمن بالمعلومات العقائدية، وإنما مساعدته على فهمها والتأصل فيها وممارستها في حياته.

ويرتبط هذا الدور بالحفاظ على وحدة الإيمان الذي تسلمته الكنيسة عبر الأجيال، من خلال الآباء والرسل، وفي مقدمتهم القديس مار مرقس والقديس أثناسيوس الرسولي، بما يحمي المؤمنين من الاضطراب أمام تعدد الأفكار والتفسيرات المتباينة.

ومع ذلك، لا يعني الثبات على الإيمان الجمود في أساليب التعليم، إذ تظل الحاجة قائمة إلى تطوير طرق الشرح والتقديم بما يناسب الأجيال الجديدة، دون تغيير جوهر العقيدة أو الإخلال بالأمانة الرسولية.

خدمة الكلمة.. مسؤولية لا تقبل التهاون

وتلتقي الأركان الثلاثة عند حقيقة واحدة، هي أن خدمة الكلمة مسؤولية متكاملة، فالقراءة تحفظ أمانة النص، والوعظ يربط الكلمة بحياة الإنسان، والتعليم يصون الإيمان ويضمن استمراره.

وبهذه المعادلة، تتحدد ملامح التعليم الأرثوذكسي الذي يطرحه البابا تواضروس، حيث لا تنفصل المعرفة عن الرعاية، ولا ينفصل التجديد عن الثوابت، ولا تصبح الكلمة غاية في ذاتها، بل وسيلة لبناء الإنسان روحيًا وفكريا.

إنها دعوة إلى خدمة تعرف ماذا تقول، وكيف تقوله، ولمن توجهه، وتدرك أن أمانة الكلمة لا تقاس ببلاغة تقديمها وحدها، بل بمدى صدق نقلها، وحكمة شرحها، وقدرتها على أن تظل حية في ضمير الكنيسة وأبنائها.

الجريدة الرسمية