القديس الذي حمل أوجاع الناس في صمته، الكنيسة تحيي ذكرى نياحة الأنبا رويس "فريج"
تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، ذكرى نياحة القديس الأنبا رويس، المعروف باسم «فريج»، الذي ترك سيرة روحية ارتبطت بالنسك الشديد والصلاة واحتمال الآلام، حتى صار من القديسين الذين ارتبطت أسماؤهم بالزهد والتواضع في التراث القبطي.
وتنيح القديس الأنبا رويس، بعد حياة اتسمت بالتقشف والتجرد من متاع الدنيا، إذ وُلد في قرية صغيرة من أعمال الوجه البحري تُعرف باسم منية بمين، وكان والده يُدعى إسحق ووالدته سارة، وأطلقا عليه اسم فريج.
نشأ القديس في أسرة تعمل بالزراعة، واشتغل مع والده في الفلاحة، وكان يمتلك جملًا صغيرًا يحمل عليه الملح لبيعه، إلا أن حياته شهدت تحولًا كبيرًا بعدما تعرض المسيحيون لضائقة، فانتقل إلى مصر، وظل يتنقل من مكان إلى آخر دون أن يكون له مسكن ثابت أو مأوى يستقر فيه.
واختار فريج حياة النسك والصلاة، فكان يقضي معظم لياليه ساهرًا في العبادة والبكاء، ولم يكن يقتني ثيابًا أو رداءً أو عمامة، بل عاش في زهد شديد، وكان مظهره أشبه بنساك البراري، مكشوف الرأس، طويل الشعر، قليل الكلام، وقد تركت كثرة البكاء أثرها الواضح في عينيه.
وعُرف القديس باحتماله الشديد للإساءة، حتى إن أحد الأشرار اعتدى عليه بالضرب بقسوة، لكنه لم يفتح فاه بكلمة، وكان القديس مرقس الأنطوني حاضرًا في ذلك الوقت، فانتهر المعتدي.
وعاصر الأنبا رويس البابا متاؤس الأول، البطريرك السابع والثمانين، والقديس مرقس الأنطوني، في عهد السلطان المملوكي الظاهر برقوق. وفي أواخر أيامه، كان يردد كلمات تعكس ما حمله قلبه من أوجاع روحية، قائلًا: «يا عذراء خذيني، لأن الحمل ثقيل علي»، وكان يقصد بذلك ثقل خطايا الشعب، وحزنه على عدم استجابة كثيرين لنصائحه وإرشاداته.
ومن أبرز محطات حياته الروحية اعتكافه داخل مخزن صغير بمنزل أحد تلاميذه، ويدعى ميخائيل البناء، بمنطقة منية السيرج، حيث أقام في ذلك المكان تسع سنوات كاملة، قضاها في الصلاة والنسك حتى أسلم روحه في 21 طوبة سنة 1121 للشهداء.
ودُفن جسده بكنيسة السيدة العذراء بالخندق، وارتبطت سيرته بعدد من العجائب التي يذكرها التراث الكنسي، من بينها الشفاء والتنبؤ وإنقاذ كثيرين من ضيقاتهم.
وهكذا بقيت سيرة الأنبا رويس شاهدة على حياة اختار صاحبها أن يحمل آلام الآخرين في صلاته، وأن يبتعد عن صخب العالم، ليترك وراءه ذكرى ناسك عاش متجردًا، وجعل من الصمت والصلاة واحتمال المشقات طريقًا لحياته الروحية.
