حكاية مسلسل أم كلثوم ورامتان طه حسين الثقافي!
بعد نجاح مسلسل أم كلثوم المدهش، فكرت في تقديم موسم عن الدراما الرمضانية أثناء مسئوليتي عن مركز رامتان طه حسين الثقافي، اتصلت بعم محفوظ عبدالرحمن كما كنت أناديه، فقال: فكرة لا بأس بها ولكن ستواجهك مشكلة تجميع الفنانين، وللأسف متعبين ومواعيدهم صعبة جدا! سألت الناقد الكبير سمير فريد قال: لا.. لا.. ابتعد عن الدراما والممثلين مش كل الناس نور الشريف!
سخر البعض من الفكرة اعتقادا أن المركز تجاهل طه حسين وغيره من الموضوعات الجادة التى قدمها من قبل، ولم ينتبهوا أن موسم الدراما لم يتغول على النشاط العادي الذي يقدمه رامتان، وإنما استحدث ليكون موسما بين الموسمين العاديين.
البداية اتصلت بأحد أنبل الشخصيات التى يمكن أن تلتقي بهم، إنه الأستاذ الكبير محفوظ عبدالرحمن، الذى رحب بالدعوة وقال: سيكون أول مكان نذهب إليه بعد التليفزيون، وجاملني وقال فرصة نشوفك! وكان الاتصال بالفنانة الكبيرة إنعام محمد على مشجعا، ولكنها تساءلت هل رامتان يعرفه الجمهور؟
أكدت لها أن لنا جمهورا جيدا، وإن شاء الله يكون لقاء يسعد به الجمهور وتسعد به أسرة المسلسل! وتواصلت مع الفنانة صابرين التي قدمت أخلد أدوارها، والتي شكرتني على الدعوة وقالت إن شاء الله جاية، أيضا تكرر الأمر مع الفنان أحمد راتب الذي قدم شخصية العبقرى المجدد الملحن محمد القصبجي، والحقيقة أرى أن الأهمية في المشاركة أولا المؤلف والمخرج!
نأتى إلى الثالث والعشرين من يناير من عام 2000، أعتبره يوما تاريخيا ومهما في عمر النشاط في رامتان، وجعلني أدرك أن مناقشة الأعمال الدرامية لا تقل مطلقا عن أي ندوة يتحدث فيها الأستاذ السيد ياسين أو الدكتور جابر عصفور.. إلخ.
من الساعة الخامسة بدأ الجمهور يتوافد على المركز، عادة لا يأتي إلا السادسة والنصف لأن الندوة تبدأ في السابعة، كانت هذه أولى ملاحظات الشباب الذي يعملون معي، هذا خلق توترا داخلي أكثر من التوتر الطبيعي الذي ينتابني يوم إقامة الندوات، عندما وصلت الساعة السادسة امتلاءت القاعة، وبسرعة تم جلب ثمانين كرسيا من أحد مكاتب تأجير الفراشات..
لم أفاجىء أن تكون أول من حضر الرائعة إنعام محمد على، وكان أول لقاء معها، وأول ملاحظة على المكان إنه بعيد جدا والله يكون في عون الجمهور، الأمر الثاني أبلغتني أنها قدمت الدعوة إلى فريقها الذي يساعدها، منهم ابراهيم فخر –المخرج حاليا– وعدد من الأسماء الجديدة، وقالت هل تأذن لي أن أقدمهم أنا للجمهور..
الفنان الذي جسد دور مأمون الشناوى فنان موهوب سيكون نجم مصر في السنوات القادمة إسمه خالد صالح، وإبراهيم عبدالعزيز موهبة جميلة إن شاء الله، وأيمن عزب الذى جسد دور رياض السنباطي، رحبت طبعا، ولكنها فاجئتني بأن صابرين لن تحضر، وأنها قررت الاعتزال لظروف خاصة، كان ذلك صدمة بعدم حضور صابرين..
ولكن مع تزايد توافد الجمهور قررت عدم اليآس والاتصال بها، والندوة كان لايزال أمامها ساعة على البدء، واتصلت بها، هي مصرة على عدم الحضور، حاصرتها بكل الأسباب التي لم تجد أمامها إلا أن توافق، خاصة أنني وضعتها في مواجهة الجمهور الذى جاء من أجلها، وقدرت لها موقفها بالرغم من الإعلان أنها ستعتزل التمثيل والظهور الاعلامي، وجاءت ولحظتها قالت الفنانة انعام محمد على: برافو كده أشهد لك قبل ما نبدأ!
فوجئت أسرة المسلسل بأرقى وأعمق حوار مع الجمهور، وتساؤلات عميقة عن الإضافة والحذف، أين محمد الموجي؟ أسئلة عن علاقة أم كلثوم في الوسط الفنى ثم علاقتها برجال الثورة، ولماذا تجاهل المسلسل حادث موت أسمهان بالرغم تردد الاشاعات عن علاقة أم كلثوم بها، وعلاقتها بالإعلام كانت محدودة مع مصطفي أمين، وتجاهل اتهامه بالجاسوسية..
أسئلة جعلت استاذنا محفوظ عبدالرحمن والفنانة انعام محمد على يبذلان جهدا كبيرا في حوارهما مع الجمهور، وليس هذا فقط بل أحمد راتب –القصبجي– نال الإشادة ثم النقد فإنه لم يظهر عليه فعل الزمان، وإعتقد الجمهور أن صوت أيمن عزب –رياض السنباطي– الذي كان يغني الألحان، فعرف الجمهور أنه صوت المطرب أحمد رياض السنباطي، وصل النقد إلى أن أحد أفراد الجمهور إنتقد الخطوط التي كتبت إسم المسلسل وتتر العمل. ليلة ولا أروع من الجدية والإبداع.
وفي حوار خاص بعد الندوة بسنوات مع الفنانة إنعام محمد على سألتها عن أسرار إختيار صابرين بالرغم إنها ليست من نجمات الصف الأول؟ أجابت إنها بدأت رحلة البحث عن الأبطال وخاصة الفنانة التي ستقوم بدور العظيمة أم كلثوم، وهذه مشكلة كبيرة، وخلال عام كامل كانت المشكلة الاساسية من يقوم بدور أم كلثوم، لآن الاختيار الصح سيكون أحد مفاتيح نجاح المسلسل..
هناك من رشح نبيلة عبيد وآخر رشح إلهام شاهين، وبناء على ترشيحات البعض جلست مع سوسن بدر، ورشحت الاعلامية الكبيرة سناء منصور الفنانة عبلة كامل، قلت لها عبلة تلقائية وجميلة ولكن صعب تخرج من جلدها، ومحفوظ عبدالرحمن رشح نجلاء فتحى، وسط هذه الحيرة شاهدت صابرين في دور الفلاحة في مسلسل جمهورية زفتى، وقدمت دور الهانم في مسلسل هوانم جاردن سيتى، وقبل المسلسلين مثلت معى في مسلسل ضمير أبلة حكمت وكان في ذهني أن من تقوم بالدور مارس الغناء على الأقل..
وكنت أحضر لمسلسل لام كلثوم إذاعى بصوتها مع وجدى الحكيم عام 1972، من خلاله تعرفت على ملامحها وروحها وتلقائتها جدا وعفويتها بالرغم كل المجد الذي حققته، تأثير ريف المنصورة واضح في اسلوبها، وكان طبيعي الفنانة لابد أن تكون سمراء وتلقائية وعفوية وتجيد الغناء ووجهها وجه الفلاحة المصرية!
وكشفت أن إختيارها لم يلق أي ترحيب من المسئولين في التليفزيون حتى رئيس الاذاعة والتليفزيون أرسل لها رسالة مع المخرج يحيى العلمى يحذرها من هذا الاختيار، لدرجة أن يحيى العلمى قال لو أنا المخرج لن اختار صابرين! الطريف عندما أبلغت صابرين باختياري لها لهذا الدور لم تصدق وأخذت في الضحك المتواصل، وزوجها سخر منها وقال: انعام محمد على ستعطيك أكبر مقلب في حياتك!
كان نجاح ندوة أم كلثوم مدهشا، ليس للحضور الكبير الذي أدهش فريق عمل المسلسل، ولكن لارتفاع مستوى وجدية الحوار، وكان هذا مسلسل هو الأول في سلسلة وصلت إلى 90 مسلسلا رمضانيا قدموا من خلال ندوات رامتان طه حسين الثقافي.
