الجعفراوي في ذكرى الإمام طنطاوي: رفض مكافأة مالية ضخمة وترك بصمات في قلوب المسلمين
أكد الدكتور صلاح الجعفراوي، رئيس مجلس أمناء مؤسسة مشوار التنموية، أن فضيلة الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر الأسبق، ترك بصمات واضحة في قلوب المسلمين حول العالم، بفضل ما عُرف عنه من سماحة وعلم وتواضع وكرم أخلاق، مشيرًا إلى أنه زار أكثر من 76 دولة، ولاحظ بنفسه حجم المحبة والتقدير اللذين يحظى بهما الإمام الراحل كلما ذُكر اسمه.
المواقف الإنسانية والعلمية في حياة الإمام الراحل محمد سيد طنطاوي
واستعاد الجعفراوي، خلال كلمته، عددًا من المواقف الإنسانية والعلمية في حياة الإمام الراحل، التي تعكس نزاهته وزهده وحرصه على خدمة الآخرين بعيدًا عن أي مكاسب شخصية، مستشهدًا بموقف رفض فيه الإمام الحصول على مكافأة مالية تجاوزت ربع مليون جنيه آنذاك، خلال إحدى زياراته إلى الخارج في شهر رمضان، وطلب توزيع المبلغ على العاملين بدلًا من الحصول عليه لنفسه.
وأوضح الجعفراوي أن إحدى الجهات الرسمية كانت تستضيف عددًا من علماء الأمة خلال الزيارة، وتخصص لهم مكافآت مالية، إلا أن المسؤول عن البروتوكول أبلغه بأن جميع الضيوف تسلموا مكافآتهم باستثناء الإمام محمد سيد طنطاوي، الذي رفض الحصول على المبلغ، مؤكدًا أنه ليس بحاجة إليه، وطالب بإعادته إلى الجهة التي خصصته.
وأضاف أن المسؤول أوضح للإمام صعوبة إعادة المبلغ بعد خروجه من الخزينة، فما كان منه إلا أن طلب توزيعه على العاملين، في موقف يعكس نزاهته وابتعاده عن استغلال مكانته الدينية والرسمية لتحقيق أي منفعة شخصية.
تعزيز حضور الأزهر الشريف في المحافل الدولية
وأشار الجعفراوي إلى لقاءاته المتعددة بالإمام الراحل خلال المؤتمرات والفعاليات داخل مصر وخارجها، إبان فترة رئاسته للمجلس العالمي للدعوة والإغاثة، مؤكدًا أن الإمام لم يكن مجرد عالم يؤدي دورًا دينيًا تقليديًا، بل كان شخصية قادرة على التواصل مع المجتمعات المختلفة، وتعزيز حضور الأزهر الشريف في المحافل الدولية، بما يخدم قضايا المسلمين ويدعم المؤسسات الإسلامية في الخارج.
تفاصيل زيارة الإمام محمد سيد طنطاوي إلى ألمانيا في مارس 1997
واستعاد الجعفراوي تفاصيل زيارة الإمام محمد سيد طنطاوي إلى ألمانيا في مارس 1997، موضحًا أنه كان مقيمًا هناك آنذاك، وشهد عن قرب أجواء الزيارة واللقاءات التي أجراها الإمام الأكبر، وما صاحبها من انتقادات ومحاولات للإساءة إليه.
وأوضح أن الإمام الراحل التقى خلال الزيارة وزير الخارجية الألماني كلاوس كينكل، كما شمل برنامجه لقاءات رسمية في القصر الرئاسي بمدينة بون، التي كانت العاصمة الألمانية آنذاك، ووزارة الخارجية الألمانية.
وأضاف أن الحكومة الألمانية تواصلت مع الكنيسة المصرية في مدينة فرانكفورت للمساعدة في ترتيب برنامج الزيارة، وأن الكنيسة تشاورت مع ممثلي المسلمين بشأن الاستفادة من وجود الإمام الأكبر وتنظيم لقاءاته مع المؤسسات الدينية والمجتمعات المختلفة.
طبيعة العلاقات التي جمعت المصريين المسلمين والمسيحيين في ألمانيا
وأكد الجعفراوي أن هذه الترتيبات عكست طبيعة العلاقات التي جمعت المصريين المسلمين والمسيحيين في ألمانيا، والتي اتسمت بالمودة والتعايش والتعاون، مشيرًا إلى أن المسلمين المصريين ساهموا في جمع التبرعات لشراء الكنيسة، بينما شارك المسيحيون بدورهم في جمع التبرعات لشراء المركز الإسلامي في فرانكفورت، في نموذج يعكس روح التعاون المتبادل بين أبناء الشعب المصري.
ولفت إلى أن المراكز الإسلامية في ألمانيا لم تكن مقتصرة على المصريين، بل ضمت جنسيات متعددة، وهو ما جعل التنسيق مع الكنيسة المصرية إحدى الوسائل التي ساعدت في ترتيب برنامج الزيارة وتحقيق أهدافه.
وأشار إلى أن الإمام الأكبر استطاع، بفضل سماحته وأسلوبه الهادئ وقدرته على التواصل، أن يترك أثرًا إيجابيًا لدى الساسة الألمان وممثلي الطوائف والجاليات المختلفة، رغم ما تعرض له من حملات انتقاد ومحاولات لتشويه صورته على خلفية الزيارة.
وشدد الجعفراوي على أن ما جرى لم يُعرض، بحسب شهادته، بصورة توضح حقيقة تفاصيل الزيارة، وهو ما دفعه إلى استعادة هذه الوقائع باعتباره شاهدًا عليها، مؤكدًا أن التواصل مع الكنيسة المصرية في فرانكفورت ومشاركتها في ترتيب برنامج الزيارة كانا جزءًا من الجهود الرامية إلى إنجاحها، وليس كما حاول البعض تصوير الأمر.
وروى الجعفراوي أنه بعد عودته من ألمانيا إلى مصر، رتبت له الأستاذة نشوى البنداري، التي كانت تعمل رئيسة لتحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط آنذاك، لقاءً مع الإمام الأكبر، موضحًا أنه فوجئ عند دخوله إلى مكتبه بانشغال الإمام بالأوراق وظهور علامات التجهّم عليه، دون أن يعلم حينها بحجم الحملة التي تعرض لها.
وأضاف أنه أوضح للإمام الأكبر أنه جاء نيابة عن المسلمين في ألمانيا لتقديم الشكر على الزيارة، مؤكدًا أنها تركت أثرًا طيبًا على المستويين الشعبي والرسمي، وأسهمت في تعزيز مكانة المؤسسات الإسلامية ودعم المسلمين هناك.
وأشار إلى أن الإمام الأكبر تفاعل مع حديثه، وانفتح النقاش بينهما بشأن أحوال المسلمين في ألمانيا، وطلب منه تكرار الزيارات لما لها من تأثير إيجابي في دعم الأقلية المسلمة، مؤكدًا استعداده لمحاولة تكرار الزيارة، مع مراعاة البروتوكولات الرسمية والترتيبات اللازمة لزيارات شيخ الأزهر الخارجية.
وتطرق الجعفراوي إلى جانب آخر من إسهامات الإمام محمد سيد طنطاوي، يتعلق بدعم تحفيظ القرآن الكريم وانتشار مراكز التحفيظ والخلوات القرآنية في مصر، ولا سيما في صعيد مصر.
وأوضح أنه التقى الشيخ محمد بيومي، أحد كبار محفظي القرآن الكريم في الصعيد، الذي تحدث إليه عن انتشار مراكز تحفيظ القرآن والأماكن المخصصة لتعليم الأطفال كتاب الله في المساجد والزوايا خلال فترة تولي الإمام الراحل مشيخة الأزهر.
وأضاف أنه زار عددًا من هذه الأماكن، وشاهد محفظين يجلسون تحت الأشجار وسط مجموعات تضم نحو 20 أو 30 طفلًا، يعلمونهم القرآن الكريم، مشيرًا إلى أن كثيرًا من هؤلاء الأطفال أتموا حفظ كتاب الله، وهو ما يعكس أثر هذه الجهود في دعم تعليم القرآن الكريم وتوسيع نطاقه بين الأطفال في المناطق المختلفة.
وأشار الجعفراوي إلى أنه حرص، بعد سماع هذه الشهادات، على التواصل مع المستشار عمرو طنطاوي، نجل الإمام الراحل، لشكره على ما قدمه والده والدعاء له.
واختتم الجعفراوي كلمته بالتأكيد على أن الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي لم يترك أثره في قلوب المصريين وحدهم، بل امتد إلى ملايين المسلمين خارج مصر، الذين عرفوه عالمًا جليلًا وشخصية اتسمت بالسماحة والتواضع والكرم، وحرصت على خدمة الإسلام والمسلمين، داعيًا الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجزيه خير الجزاء عما قدمه للأزهر الشريف وللمسلمين.
إحياء ذكرى فضيلة الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي
وفي السياق ذاته، استضاف الدكتور صلاح الجعفراوي، رئيس مجلس أمناء مؤسسة مشوار التنموية، صالونًا ثقافيًا بمقر إقامته، لإحياء ذكرى فضيلة الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر الأسبق، بحضور عدد من الشخصيات العامة والعلماء والمفكرين والإعلاميين، لاستعادة مسيرة الإمام الراحل ومواقفه الإنسانية والعلمية وإسهاماته في خدمة الإسلام والمسلمين داخل مصر وخارجها.



