بعد توصية رفع الحد الأدنى للأجور، هل تكفي 15 ألف جنيه لأسرة من 4 أفراد في 2030؟ خبير يجيب
في ظل التوجه نحو رفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 ألف جنيه بحلول العام المالي 2029/2030، يبرز تساؤل عن مدى كفاية هذا المبلغ لتوفير حياة كريمة للأسرة المصرية المكونة من أربعة أفراد تتضمن الأب والأم وطفلين في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الأعباء المرتبطة بالغذاء والسكن والتعليم والعلاج والمواصلات.

وقال كرم سلام، الخبير الاقتصادي وعميد كلية العلوم الإدارية بجامعة باشن العالمية، إن تقييم مدى كفاية الحد الأدنى للأجور المستهدف في 2030 لا يتوقف عند قيمة الراتب وإنما يرتبط بقدرته على تلبية الاحتياجات الأساسية للأسرة ومدى مواكبة نمو الأجور لارتفاع الأسعار وتكاليف الخدمات.
وأوضح لـ"فيتو" أن الانتقال من 8 آلاف إلى 15 جنيه شهريا يعني زيادة اسمية قدرها 7 آلاف جنيه بنسبة 87.5% بما يعادل 84 الف جنيه إضافية سنويًا وفق السيناريو المطروح، مشيرًا إلى أن هذه الزيادة لا تعني بالضرورة تحسنا مماثلا في القوة الشرائية إذ يظل ذلك مرهونا بمسار الأسعار خلال السنوات المقبلة.
15 ألف جنيه بين احتياجات الأسرة وضغوط التضخم
وأضاف أن ميزانية الأسرة المكونة من 4 أفراد تتوزع على مجموعة من الالتزامات الأساسية، تشمل الغذاء والايجار وفواتير المرافق والمواصلات والتعليم والعلاج والملابس لافتا إلى أن حجم الإنفاق يختلف بحسب المحافظة وطبيعة السكن ونوع التعليم والاحتياجات الصحية للأبناء.

وأشار إلى أن اعتماد الأسرة على راتب واحد يجعل مدى كفاية مبلغ 15 ألف جنيه شهريا مرتبطا بمستويات الأسعار بحلول عام 2030، موضحا أن ارتفاع تكاليف المعيشة بوتيرة أسرع من نمو الأجور قد يحد من الأثر الإيجابي للزيادة خاصة لدى الأسر التي تتحمل أعباء ايجارية أو نفقات مرتفعة للتعليم والعلاج.
وأوضح أن احتياجات الأسرة لا تقتصر على توفير متطلبات المعيشة اليومية بل تشمل أيضا القدرة على مواجهة الطوارئ والادخار لتغطية الأعباء المستقبلية، مؤكدا أن استهلاك الراتب بالكامل في المصروفات الشهرية قد يحد من تحقيق الاستقرار المالي حتى مع ارتفاع قيمة الدخل الاسمية.
ولفت إلى أن تقييم مستهدف الأجور لعام 2030 يتطلب النظر إلى الدخل الحقيقي الذي يعكس مقدار السلع والخدمات التي يمكن للأسرة الحصول عليها مقابل دخلها بدلا من الاكتفاء بقيمة الراتب المعلنة في ظل تأثير التضخم على القوة الشرائية للنقود.
إجراءات مطلوبة لضمان تحسن القوة الشرائية حتى 2030
وأكد أن تحويل مستهدف رفع الحد الأدنى للأجور إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين يتطلب مجموعة من السياسات المتكاملة في مقدمتها ربط مراجعة الأجور بمعدلات التضخم وتكاليف المعيشة وإجراء مراجعات دورية تستند إلى تطورات أسعار الغذاء والسكن والنقل والتعليم والعلاج بما يسهم في الحفاظ على القوة الشرائية للعاملين.
وأضاف أن التوسع في الإنتاج الزراعي والصناعي وزيادة المعروض من السلع وتحسين سلاسل التوزيع وتقليل الاعتماد على الواردات حيثما تسمح الظروف الاقتصادية بذلك، تمثل مسارات مهمة للحد من الضغوط السعرية.
وأشار إلى أهمية توفير السكن الملائم بتكلفة معقولة، من خلال التوسع في الإسكان المناسب لمختلف شرائح الدخل وتوفير وحدات ايجارية تتناسب مع قدرات الأسر إلى جانب تحسين جودة خدمات التعليم والصحة والنقل العام، بما يقلل اضطرار المواطنين إلى اللجوء للبدائل الخاصة مرتفعة التكلفة.

وأوضح أن توجيه برامج الحماية الاجتماعية والدعم النقدي والعيني إلى الفئات الأكثر احتياجا وفق معايير واضحة ومحدثة، يمثل أحد العناصر المهمة لتخفيف آثار الإصلاح الاقتصادي على محدودي الدخل.
وشدد على أهمية ضمان التطبيق الفعلي للحد الأدنى للأجور من خلال وضع جدول زمني واضح لتنفيذ المستهدف وتحديد مصادر تمويل قابلة للاستمرار وآليات للمتابعة والرقابة مع مراعاة قدرة المنشآت الصغيرة على التكيف دون الإضرار بحقوق العاملين.
وأضاف أن دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة ورفع إنتاجية العامل من خلال التدريب والتأهيل يمثلان عنصرين مهمين لتعزيز فرص نمو الدخول بصورة مستدامة.
وأشار إلى ضرورة وضع مؤشرات سنوية معلنة لقياس تطور الأجور الحقيقية ونشر بيانات حديثة عن متوسط إنفاق الأسر بحسب المحافظة وحجم الأسرة ومستوى الدخل إلى جانب إعداد سيناريوهات متعددة لتكاليف المعيشة حتى عام 2030، وفق معدلات التضخم المرتفعة والمتوسطة والمنخفضة.
ولفت إلى أهمية تقييم أثر زيادة الأجور على الموازنة العامة والتضخم والتوظيف والقدرة التنافسية للقطاع الخاص وقياس انعكاسها على قدرة الأسرة على تحمل تكاليف الغذاء والسكن والتعليم والعلاج ومدى تراجع لجوئها إلى الاقتراض لتغطية الاحتياجات الأساسية
واختتم بأن رفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 ألف جنيه يمثل مستهدفا لتحسين دخول العاملين إلا أن نجاحه الفعلي يتوقف على مدى قدرته على توفير احتياجات الأسرة الأساسية مع إتاحة هامش للادخار ومواجهة الطوارئ، موضحا أن المعيار الحقيقي لتحسن مستوى المعيشة يتمثل في الحفاظ على القوة الشرائية للدخل وضمان قدرة المواطنين على تلبية احتياجاتهم بصورة مستقرة ومستدامة حتى عام 2030.
