رئيس التحرير
عصام كامل

"ذا جارديان": من فرنسا إلى إسبانيا وإيطاليا.. خريف الغضب يختبر قدرة الاتحاد الأوروبي على البقاء (تقرير)

عناصر الشرطة يواجهون
عناصر الشرطة يواجهون محتجين في باريس
18 حجم الخط

تواجه أوروبا خريفا ساخنا تتسع فيه رقعة الغضب الشعبي من باريس إلى ميلانو ومدريد، وسط ضغوط معيشية متصاعدة وشعور متزايد باتساع الهوة بين وعود الحكومات وواقع المواطنين، وبين أزمة السكن وركود الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات التعليمية، تتجاوز الاحتجاجات حدود المطالب الاقتصادية لتطرح تساؤلات أعمق بشأن قدرة الاتحاد الأوروبي على احتواء السخط الاجتماعي والحفاظ على تماسكه في مواجهة أزمات متراكمة. 

وتبدأ تداعيات الغضب الشعبي الأوروبي في الانتقال من الشارع إلى صناديق الاقتراع، بما يضع الحكومات أمام اختبار سياسي متصاعد، ففي إسبانيا، تلوح انتخابات مبكرة الشهر المقبل عقب رفض البرلمان إصلاحات جوهرية في قطاع الإسكان، بينما تستعد فرنسا لانتخاب رئيس جديد في أبريل، على أن تشهد بولندا وإيطاليا ودول أوروبية أخرى استحقاقات انتخابية قبل نهاية عام 2027. 

كيف تنجو أوروبا؟

ترى أستاذة العلوم السياسية بجامعة "آي إي" الإسبانية، والمؤلفة المشاركة لكتاب "كيف تنجو أوروبا"، كاثرين دي فريس، أن الاستحقاقات الانتخابية المقبلة تحمل رهانات بالغة الأهمية، في ظل تصاعد الاستياء الشعبي واتساع الفجوة بين تطلعات المواطنين وأداء الحكومات، وفق مقال نشرته صحيفة "ذا جارديان" البريطانية. 

وتشير دي فريس إلى أن القادة الأوروبيين يواجهون ضغوطا متزايدة على الساحة الدولية، في ظل الحرب في أوكرانيا، والغموض المحيط باستمرار الضمانات الأمنية الأمريكية، وتصاعد المنافسة الاقتصادية مع الصين؛ وهي تحديات تستدعي تعزيز التعاون بين الدول الأوروبية، في وقت تتفاقم فيه الخلافات والصعوبات السياسية الداخلية. 

وفي المقابل، تطالب الشعوب حكوماتها بتوفير الأمن وتحسين الأوضاع المعيشية وضمان الرخاء، بينما تتراجع قدرة الدول على تلبية هذه التطلعات بصورة منفردة. وهنا تتجلى معضلة أوروبا والتاي تتمثل في قدرة القادة الأوروبيين على مواجهة الضغوط المتصاعدة في الداخل دون أن يتجاوزوا حساباتهم الوطنية وخلافاتهم السياسية، بحسب المقال. 

ما مدى أهمية الاتحاد الأوروبي؟

تقول أستاذة العلوم السياسية: لو لم يكن الاتحاد الأوروبي موجودا، لكان لدى الأوروبيين كل الأسباب لابتكاره، فالدول الأعضاء تشكل مجتمعة سوقا تضم 450 مليون نسمة، واقتصادا يبلغ حجمه قرابة 19 تريليون يورو (أكثر من 21 تريليون و269 مليار دولار)، مما يجعله ثالث أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة والصين. 

ولا تقترب أي دولة أوروبية بمفردها من هذا الثقل؛ فألمانيا، وهي أكبر دول الاتحاد، يبلغ عدد سكانها 84 مليون نسمة، ويساوي حجم اقتصادها سدس حجم الاقتصاد الأمريكي تقريبا. كما أن 20 دولة من أصل 27 عضوا في الاتحاد يقل عدد سكانها عن 12 مليون نسمة، أي أقل من نصف عدد سكان مدينة شنغهاي. وفي عالم تسوده التعريفات الجمركية وضوابط التصدير، فإن الحجم هو ما يضمن للمرء مقعدا على طاولة صنع القرار.

كيف يواجه الاتحاد الأوربي شبح الانهيار؟

تضيف دي فريس: كثيرا ما قيل إن هذا المشروع السياسي على وشك الانهيار؛ وخصوصا خلال أزمات مثل خروج بريطانيا من الاتحاد (بريكست)، وجائحة كورونا، وصدمات الطاقة. ومع ذلك، أثبت الاتحاد قدرة لافتة على الصمود، مستجيبا للأزمات بحلول ارتجالية كانت تبدو مستحيلة في السابق.  

وتتابع: يكمن بقاء الاتحاد الأوروبي في قدرته على التكيف رغم الخلافات، مع مساعدة الدول الأعضاء على تحقيق ما يعرف بـ"السيادة الفعالة"، والتي تتمثل في القدرة على تشكيل النتائج في مجالات مثل الطاقة، والتجارة، والهجرة، والدفاع؛ وهي أمور لا تستطيع أي دولة أوروبية بمفردها التحكم فيها. 

لكن دي فريس، ترى في الوقت ذاته، أنه "لا ينبغي اعتبار مرونة الاتحاد الأوروبي أمرا مفروغا منه"، مضيفة: المفاوضات حول الميزانية القادمة للسنوات السبع، والتي تبلغ قيمتها نحو تريليوني يورو (تريليون و121 مليار و295 مليون دولار أمريكي)، تظهر مدى صعوبة التوصل إلى توافق في الآراء. فبينما يتفق الجميع على ضرورة تعزيز الأمن الأوروبي والقدرة التنافسية الاقتصادية، تختلف الدول حول الجهة التي ستتحمل التكلفة. فعلى سبيل المثال، تدفع فرنسا باتجاه فرض ضرائب جديدة على مستوى الاتحاد الأوروبي، وهو مقترح تواجهه دول أخرى بالرفض. 

عدم الاستقرار السياسي

لا ترى دي فريس أن تصاعد عدم الاستقرار السياسي داخل الدول الأوروبية يقود بالضرورة إلى شلل مؤسسات الاتحاد في بروكسل، بل قد يدفع القادة إلى تسريع التحرك قبل أن تضيق هوامش المناورة، مضيفة: مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية، دعا الرئيس إيمانويل ماكرون القادة الأوروبيين إلى التوصل لاتفاق بشأن الميزانية المقترحة مع بداية العام المقبل، محذرا من تقلص فرص التوافق في العام الجديد إذا خلفته مارين لوبان في الرئاسة.

وبحسب المقال، لم تعد لوبان تطرح إخراج فرنسا من منطقة اليورو أو تنظيم استفتاء على غرار "بريكست"، أي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لكن توجهاتها السياسية قد تضعف التكتل من الداخل، وخصوصا إذا دفعت نحو خفض مساهمة فرنسا في ميزانيته، بما قد ينعكس على قدرته على تمويل أولوياته المشتركة. 

قناعة الأوروبيين الأصغر سنا بالاتحاد

يواجه الأوروبيون الأصغر سنا، على وجه الخصوص، حالة متزايدة من عدم اليقين بشأن آفاقهم الاقتصادية؛ بدءا من العثور على سكن ميسور التكلفة وصولا إلى تأمين وظائف مستقرة. وحتى الآن، لم يتحول هذا التشاؤم إلى رفض واسع النطاق للاتحاد الأوروبي، وفق المقال. 

وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة –بحسب دي فريس- إلى أن الشباب الأوروبيين لا يزالون من بين أكثر الداعمين حماسا للاتحاد؛ حيث يؤيد 90% منهم تعزيز الوحدة بين الدول الأعضاء، بينما يرغب 78% في منح الاتحاد الأوروبي موارد أكبر تمكنه من التحرك بفعالية. 

وتنهي الكاتبة مقالها بالقول: لقد أثبت الاتحاد الأوروبي في مرات كثيرة قدرته على تجاوز الأزمات السياسية، لكن عليه الآن أن يضمن أن الأشخاص الذين يعيشون في ظل هذه الأزمات لا يكتفون بمجرد "تدبير أمورهم" للبقاء، بل يحظون بما هو أفضل من ذلك.

الجريدة الرسمية