نيران الغضب الشعبي تجتاح أوروبا.. صراع سياسي بين اليمين واليسار في فرنسا.. وصهر ترامب يشعل اتهامات الفساد في ألبانيا.. وميلوني تصف المتظاهرين الإيطاليين بـ"عصابات الشباب"
تواجه عدة دول أوروبية موجة من الاحتجاجات الاجتماعية التي تعكس تنامي الضغوط الاقتصادية وتراجع الرضا عن أداء الحكومات، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن وتزايد المطالب بتحسين الخدمات العامة.
وشملت التحركات فرنسا وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال وألبانيا، بمشاركة طلاب وعمال ونقابات وناشطين، فيما اتخذت بعض الاحتجاجات شكل إضرابات واعتصامات.
وشهدت أخرى مواجهات مع قوات الشرطة وأعمال تخريب واعتقالات، فيما دخلت العديد من الأحزاب اليسارية واليمينية على خط المظاهرات، في مشهد دفع البعض لوصف ما يجري في إطار نظرية المؤامرة.
فرنسا.. اتهامات سياسية بين الحكومة والمعارضة
في فرنسا، تجاوزت التحركات المطالب الطلابية المتعلقة بأوضاع المدارس ونقص الموارد والكوادر، لتشمل قضايا أوسع ترتبط بغلاء المعيشة وتراجع جودة الخدمات العامة، وامتد الأمر إلى تخريب المتاجر، وإضرام النيران في محطات النقل العام والمركبات، فيما استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع، والقنابل الصوتية، وخراطيم المياه لتفريق مثيري الشغب.

وتحول المشهد إلى معركة سياسية؛ حيث اتهمت تقارير استخباراتية فرنسية حزب "فرنسا الأبية" اليساري بتأجيج الأوضاع واستغلالها سياسيا، وهو ما رفضه زعيم الحزب جان لوك ميلانشون، معتبرا أن هذه الاتهامات الحكومية والاستخباراتية تدخل في دائرة "نظرية المؤامرة" التي تتبناها الحكومة الفرنسية ضد معارضيها بدلا من حل الأزمات.
ومن جهته، ربط زعيم حزب "الوطنيون" الفرنسي اليميني فلوريان فيليبو بين الاحتجاجات والدعم الفرنسي لأوكرانيا في حربها ضد روسيا، قائلا: على السلطات الفرنسية التركيز على حل الأزمات الداخلية ووقف الاحتجاجات الواسعة بدلا من تمويل أوكرانيا.
وأضاف الزعيم اليمين الفرنسي أن "قطع هذا التمويل سيوفر مليارات اليوروهات لدعم المزارعين ورجال الأعمال الفرنسيين، ويسهم في تحسين القدرة الشرائية للمواطنين الفرنسيين.
إيطاليا.. الحكومة تصف المتظاهرين بعصابات الشباب
وفي إيطاليا، صحيفة "كورييري ديلا سيرا" أن رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني تدرس توسيع نطاق الحبس الاحتياطي للقاصرين، وتكثيف الإجراءات ضد من تصفهم الحكومة الإيطالية بعصابات الشباب، مع تقديم موعد تنفيذ بعض البنود الواردة في مشروع قانون أمني قيد النظر حاليا أمام البرلمان.
وفي منطقة فيا مونتينابوليوني، المعروفة بمتاجر السلع الفاخرة والتي تضم علامات تجارية مثل شانيل وتيفاني وديور، أزالت معظم المتاجر المعروضات من واجهاتها كإجراء احترازي، بينما انتشرت الشرطة في الشارع، وراقب عدد قليل من السياح الوضع.

وكان مئات المحتجين الإيطاليين، ارتدى كثير منهم أغطية للرأس، ويُعتقد أن عددا منهم من القاصرين، قد أشعلوا النيران في حاويات القمامة، ونهبوا متاجر بوسط المدينة خلال عطلة نهاية الأسبوع، عقب مظاهرة بدأت سلمية السبت احتجاجا على تردي الخدمات العامة وارتفاع تكاليف المعيشة.
إسبانيا.. طرد عجوز من منزلها يشعل الغضب
وفي إسبانيا، تصدرت أزمة السكن وارتفاع الإيجارات مطالب المحتجين، إلى جانب تحركات للمعلمين في مدريد مشهد المظاهرات الشبابية الغاضبة.
وبحسب تقارير إعلامية، فقد اندلعت المظاهرات جراء تعثر وفشل تمرير مشروعات قوانين وحزمة إجراءات حكومية طارئة لحماية المستأجرين في البرلمان الإسباني بسبب معارضة أحزاب اليمين واليمين المتطرف، مما دفع رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى الدعوة لإجراء انتخابات تشريعية مبكرة في نوفمبر المقبل.
وقد أثار طرد ماريا ديل كارمن أباسكال، البالغة من العمر 87 عاما، من منزلها في مدريد موجة من الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد ضد الارتفاع الجنوني في الإيجارات والأسعار. وتصاعدت حدة الغضب الشعبي عقب ورود أنباء عن وفاتها يوم الأربعاء الماضي.
ومن الواضح أن سانشيز يأمل في أن يمنحه التركيز في حملته الانتخابية على قضية وطنية تحظى باهتمام واسع، فرصة للفوز بتفويض أقوى من خلال ما تصفه جريدة "ذا جارديان" البريطانية بـ"المخاطرة".

وقالت الجريدة: وصل زعيم الحزب الاشتراكي بيدرو سانشيز إلى السلطة بعد أن دعا إلى تصويت بحجب الثقة؛ مما أدى إلى الإطاحة بسلفه المنتمي لتيار يمين الوسط، ماريانو راخوي، في خطوة لم تكن متوقعة. كما نجح في الاحتفاظ بمنصبه رغم كل الصعاب، وذلك بعد الدعوة إلى انتخابات مبكرة في عام 2023، في وقت كانت فيه شعبية حزبه في تراجع حاد، بينما كان تيار اليمين المتطرف في صعود. وفي ظل مروره بفترة عصيبة أخرى خلال فترة ولايته، قرر سانشيز خوض غمار المخاطرة مجددا.
ألبانيا.. احتجاجات ضد الفساد وصهر ترامب
ولم تقتصر حالة الاحتقان على المطالب الاقتصادية؛ إذ شهدت ألبانيا احتجاجات تطالب باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما، وتندد بالفساد، وتدعو إلى حماية الخدمات العامة، بينما تواصلت في صربيا تحركات طلابية مرتبطة باتهامات بالفساد.
واندلعت الاحتجاجات في بدايتها عبر "حركة فلامنجو" المناهضة لمشروع سياحي ضخم على ساحل البحر الأدرياتيكي مرتبط بالملياردير الأمريكي جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وسط مخاوف من تدمير البيئة وانقراض طائر الفلامنجو.
وتوسعت الحركة لتشمل الطلاب والشباب ومدارس المرحلة الثانوية؛ احتجاجا على غلاء المعيشة، وارتفاع الرسوم الجامعية، ونقص فرص العمل، واتهامات بفساد واسع طال مسؤولين في الحكومة.
وفي المقابل، رفض راما - الذي يقضي ولايته الرابعة- الاستقالة، زاعما أن الاحتجاجات "صنيعة جهات خارجية"، وحملات تحريضية من الخصوم المحافظين.

وترفض المعارضة الألبانية بقيادة الحزب الديمقراطي بزعامة سالي بيريشا تلك الاتهامات، وتصف حكومة رئيس الوزراء الحالي بـ "الفاسدة"، وتطالب باستمرار برحيلها وإجراء إصلاحات جذري.
البرتغال.. ارتفاع معدل التضخم
وفي البرتغال، خرج عشرات الآلاف في مظاهرة حاشدة وسط العاصمة لشبونة، بدعوة من اتحاد نقابات العمال الرئيسي، للمطالبة بتحسين الأجور بما يتناسب مع الزيادة المتواصلة في نفقات السكن والاحتياجات الأساسية، مؤكدين أن دخول كثير من الأسر لم تعد تكفي لتغطية متطلبات الحياة اليومية.
وتأتي التحركات في ظل ارتفاع معدل التضخم في البرتغال إلى 3.6% خلال سبتمبر الماضي، مدفوعا بزيادة أسعار الغذاء والوقود، الذي ارتفع بنحو 15% على أساس سنوي، بالتزامن مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، بحسب منصة "تريدنج إكونوميكس" المتخصص في التحليلات المالية الدقيقة.
وفي مواجهة الاحتجاجات، أكد وزير الشؤون البرلمانية كارلوس أبريو أموريم أن الحكومة لن تتراجع أمام ضغوط الشارع، مشيرا إلى اتخاذ إجراءات لمعالجة المخاوف المطروحة، على حد قوله.
قرب الاستحقاقات الانتخابية
وفي المحصلة، تضع هذه التطورات الحكومات الأوروبية أمام تحديات تتجاوز احتواء التظاهرات، لتشمل معالجة أسباب السخط الاجتماعي واستعادة ثقة المواطنين، خصوصا مع اقتراب استحقاقات انتخابية في بعض الدول مثل إسبانيا التي تشهد انتخابات عامة في 29 نوفمبر المقبل، وفرنسا التي من المقرر أن تشهد انتخابات رئاسية في 18 إبريل 2027، كما تثير المخاوف من استفادة قوى سياسية، بينها أحزاب اليمين المتطرف، من تراجع الثقة في المؤسسات وتصاعد الاستياء الشعبي.




