في عيدها الـ81 الأمم المتحدة من حلم سان فرانسيسكو إلى كابوس الخليل
في مثل يوم امس الموافق 24 أكتوبر 1945 دخل ميثاق الأمم المتحدة حيز التنفيذ. لم تكن مجرد منظمة جديدة، بل كانت محاولة أخيرة لإنقاذ العالم من نفسه. بعد حربين عالميتين قتلتا أكثر من 70 مليون إنسان، اجتمعت 50 دولة في سان فرانسيسكو بين أبريل ويونيو 1945 وكتبت ديباجة ستبقى الأشهر في التاريخ: نحن شعوب الأمم المتحدة وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب.
المقاصد كانت أربعة واضحة: حفظ السلم والأمن الدوليين، إنماء العلاقات الودية على أساس المساواة وتقرير المصير، تحقيق التعاون الدولي، وتعزيز حقوق الإنسان للجميع بلا تمييز. وبنيت المنظمة على ستة أجهزة رئيسية، أهمها الجمعية العامة التي تمثل كل الشعوب، ومجلس الأمن المسؤول عن التنفيذ.
من 51 دولة عند التأسيس إلى 193 دولة اليوم
من 51 دولة عند التأسيس إلى 193 دولة اليوم، توسعت الأمم المتحدة لتصبح الأكثر شمولا، وأنشأت وكالات غيرت وجه العالم مثل اليونيسف والصحة العالمية وبرنامج الغذاء. لكنها حملت في قلبها فيروسا قاتلا اسمه الفيتو. حق النقض الذي منحته الدول المنتصرة لنفسها حول مجلس الأمن من حارس للعدالة إلى حارس لمصالح الكبار. أكثر من 250 فيتو عطلت قرارات إدانة جرائم حرب وحماية مدنيين.
في الذكرى الـ81 لتأسيسها، لا يوجد مكان يكشف فشل المنظمة أكثر من الخليل
ما يحدث في الخليل الآن ليس خبرا عاديا، بل هو سقوط كامل لمنظومة القانون الدولي التي تحتفل الأمم المتحدة بعيدها. منذ فجر امس السبت، تفرض إسرائيل حصارا شاملا على مدينة الخليل ومحيطها. إغلاق كامل للمداخل، شلل في حركة النقل، إغلاق المدارس والجامعات، وإعلان عن عملية عسكرية ستستمر عدة أيام بمشاركة الجيش والشاباك وحرس الحدود.
التفاصيل الميدانية صادمة: إخلاء قسري لمئات المنازل في الجلدة وفرش الهوى ودير بحة، إجبار العائلات على الخروج عبر ثلاثة حواجز تفتيش بعد الاستجواب، هدم عمارة سكنية بثلاث شقق ومحال تجارية وتجريف 7 دونمات، تحويل البيوت لثكنات ورفع الأعلام الإسرائيلية فوقها، إطلاق قنابل إنارة طوال الليل، واقتحام الحرم الإبراهيمي ومنع صلاة الجمعة.
كما شنت حملة اعتقالات واسعة طالت النائب حاتم قفيشة ونجله والصحفي مصعب قفيشة ورئيس مجلس عائلة النتشة. كل ذلك كعقاب جماعي بعد مقتل جنديين إسرائيليين أمس على حاجز قرب المدينة في عملية نفذها شابان فلسطينيان استشهدا في المكان.
نتنياهو قال اول أمس بوضوح سنغير معالم المنطقة بالكامل. وهي نفس الخطة التي نفذت في جنين وطولكرم بداية 2025 وأدت لتهجير آلاف.
هنا نسأل أين الأمم المتحدة؟ ميثاقها في مادته الأولى يتحدث عن تقرير المصير، اتفاقية جنيف الرابعة التي ترعاها الأمم المتحدة تحظر في المادة 49 التهجير القسري، وتحظر في المادة 33 العقاب الجماعي، وتحظر في المادة 53 تدمير الممتلكات. كل هذه المواد انتهكت اليوم في الخليل في ذكرى ميلاد المنظمة نفسها.
القضية الفلسطينية لديها أكثر من 800 قرار أممي منذ 1947 لم ينفذ منها واحد
المشكلة ليست في النصوص، بل في آلية التنفيذ. القضية الفلسطينية لديها أكثر من 800 قرار أممي منذ 1947 لم ينفذ منها واحد بشكل قسري. بينما قرارات أخرى في مناطق أخرى نفذت خلال ساعات بقوات دولية. هذا هو ازدواج المعايير الذي قتل مصداقية الأمم المتحدة.
التحليل السياسي يقول إن المنظمة نجحت فقط حيث لا تتصادم مع مصالح الدول الكبرى. نجحت في التطعيم والغذاء والتعليم، لكنها فشلت في وظيفتها الأصلية: منع العدوان. تحولت من منظمة لحفظ السلم إلى منظمة لإدارة الصراع، تكتفي ببيانات القلق والإدانة.
الخليل اليوم تطرح السؤال الأهم:ما قيمة الاحتفال بيوم الأمم المتحدة إذا كانت عاجزة عن حماية 250 أسرة من الطرد من بيوتها؟ ما قيمة الحديث عن حقوق الإنسان إذا كان الحق في السكن ينتهك على الهواء مباشرة
في ذكراها الـ81 الأمم المتحدة أمام خيارين إصلاح جذري يلغي الفيتو في جرائم الحرب، ويفعل الفصل السابع لحماية المدنيين، وينشئ قوة حماية دولية حقيقية للفلسطينيين أو تتحول إلى احتفال بروتوكولي سنوي بلا معنى.
أهالي الخليل اليوم لا يريدون تهنئة من الأمين العام، بل يريدون حقهم في البقاء. وهذا الحق هو بالضبط السبب الذي من أجله كتب ميثاق 1945




