رئيس التحرير
عصام كامل

معاش الأرملة.. 650 جنيها لا تكفي للحياة!

18 حجم الخط

هناك أرقام لا تحتاج إلى كثير من الشرح حتى ندرك حجم المشكلة التي تقف وراءها، ويكفي أن نضعها أمام واقع الحياة اليومية لنعرف أن الأمر يحتاج إلى مراجعة.

تخيل سيدة أرملة، تجاوزت سنوات العمل والقدرة على الكسب، وفقدت زوجها ولا تحصل على معاش عنه، وليس لديها مصدر دخل آخر، وتعيش على مبلغ 650 جنيهًا شهريًّا من الدعم النقدي.. كيف يمكن لهذه السيدة أن تدبر احتياجاتها الأساسية بهذا المبلغ؟ وكيف يمكنها مواجهة تكاليف الطعام والدواء والكهرباء والمياه، في ظل ارتفاع أسعار معظم متطلبات الحياة؟

هذه ليست حالة افتراضية، بل أوضاع يطرحها ملف المستفيدات من معاشات الضمان الاجتماعي التي انتقلت إلى منظومة تكافل وكرامة، وتستحق أن تكون محل مراجعة جادة من وزارة التضامن الاجتماعي.

650 جنيهًا.. ماذا يمكن أن تفعل؟

المشكلة هنا ليست في وجود برنامج للحماية الاجتماعية، فهذه البرامج تمثل ضرورة لمساندة الفئات الأكثر احتياجًا، وإنما في مدى كفاية المبالغ التي تحصل عليها بعض الحالات لتوفير الحد الأدنى من متطلبات المعيشة.

فالأرملة الشابة التي تستطيع العمل قد تجد، رغم صعوبة الظروف، فرصة للحصول على دخل إضافي، لكن ماذا عن الأرملة المسنة التي لا تستطيع العمل، ولا تحصل على معاش عن زوجها، ولا تملك دخلًا ثابتًا أو مصدرًا آخر للإنفاق؟

هذه الفئة لا تحتاج إلى حلول تقوم على مطالبتها بالعمل أو البحث عن مصدر دخل بديل، بقدر ما تحتاج إلى مظلة حماية اجتماعية تراعي ظروفها الصحية والعمرية والاجتماعية.

ولا يمكن أن نتعامل مع مبلغ 650 جنيهًا باعتباره دخلًا يمكن أن يوفر احتياجات الحياة، حتى لو كان جزءًا من منظومة دعم أوسع.. فالحكم على كفاية المساعدة يجب أن ينطلق من واقع المستفيد، ومصادر دخله الأخرى، واحتياجاته الأساسية.

900 جنيه أيضًا تحتاج إلى مراجعة

خلال مشاركتها في منتدى مصر 2026، تحدثت الدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي، عن وصول قيمة الدعم النقدي في برنامج تكافل وكرامة إلى 900 جنيه، مقارنة بـ300 جنيه عند إطلاق البرنامج. وهذا تطور في قيمة الدعم، لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه: هل تكفي هذه المبالغ لتلبية الاحتياجات الأساسية للأسر الأولى بالرعاية؟

إن مبلغ 900 جنيه شهريًّا يظل محدودًا للغاية أمام تكاليف الغذاء والدواء وفواتير المرافق وغيرها من النفقات الضرورية، خصوصًا إذا كان المستفيد يعتمد عليه بصورة أساسية في تدبير معيشته.

وهنا يجب التمييز بين قيمة الدعم المعلنة للبرنامج وبين ما تحصل عليه كل حالة فعليًّا، إذ تختلف المستحقات وفقًا لنوع الدعم وظروف الأسرة والفئات المستحقة داخلها.. ولذلك، فإن مراجعة الأوضاع المالية للمستفيدين لا ينبغي أن تقتصر على إعلان متوسط أو قيمة عامة، وإنما يجب أن تشمل الحالات التي لا تتوافر لها مصادر دخل أخرى.

المطلوب مراجعة معاشات الأرامل

المطلوب أن تفتح وزارة التضامن الاجتماعي ملف الحالات التي انتقلت من معاش الضمان الاجتماعي إلى منظومة تكافل وكرامة، مع مراجعة قيمة الدعم الذي تحصل عليه الأرامل، خصوصًا المسنات وغير القادرات على العمل، اللاتي لا يحصلن على معاش تأميني عن أزواجهن ولا يمتلكن مصدر دخل آخر.

كما أن هناك حاجة إلى وضع معايير واضحة تضمن أن تتناسب المساعدة مع الظروف المعيشية الفعلية، مع إعطاء أولوية للحالات الأكثر احتياجًا، بدلًا من التعامل مع جميع المستفيدين باعتبار أن احتياجاتهم واحدة.

ومن المهم أيضًا أن تتم مراجعة قيمة الدعم بصورة دورية، حتى لا تفقد الزيادات قيمتها مع ارتفاع الأسعار، وأن تكون هناك آلية واضحة للتعامل مع الحالات التي لا تكفيها المبالغ المقررة لتوفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية.

الحماية الاجتماعية لا تقاس بعدد المستفيدين وحده، ولا بإجمالي المخصصات المالية فقط، وإنما بقدرة الدعم على إحداث فارق حقيقي في حياة المواطن الذي لا يملك بديلًا آخر.

الحماية الاجتماعية ليست مجرد أرقام

لا يمكن إنكار أهمية برامج تكافل وكرامة في دعم ملايين الأسر، ولا التقليل من الجهد المبذول لإدارة هذه المنظومة وتوجيه مواردها إلى مستحقيها، لكن نجاح البرنامج يجب أن يُقاس أيضًا بمدى قدرته على حماية الفئات الأكثر ضعفًا، وفي مقدمتها الأرامل المسنات اللاتي لا يملكن معاشًا أو دخلًا آخر.

إن سيدة فقدت زوجها، وتقدمت بها السن، ولم تعد قادرة على العمل، لا ينبغي أن تظل حبيسة مبلغ لا يكفي احتياجاتها الأساسية، ثم نكتفي بالقول إنها تحصل على دعم نقدي.

المطلوب ليس مجرد زيادة رقم في كشف المستحقات، وإنما مراجعة حقيقية تضمن أن يصل الدعم إلى حد الكفاية، خصوصًا لمن لا يملكون فرصة لتعويض نقصه.. فالحماية الاجتماعية الحقيقية تبدأ عندما نضمن ألا يُترك إنسان عاجز عن العمل لمواجهة أعباء الحياة بمفرده.

الجريدة الرسمية