حراسة الوعي وبناء الفرد
حراسة الوعي مهمة جليلة، تستعصي على النفوس الضعيفة، تلك التي تلبسها اليأس والقنوط، وسربلها التشاؤم والإحباط، فالتحفت رداء الهزيمة.. حراسة الوعي هي مهمة تلك النفوس التي أبت إلا تغيير الواقع مهما كانت ضراوته.. حراسة الوعي مهمة أولئك النفر الذين يخرجون في كل أمة، وفي كل زمان وقد اصطفاهم الله، وانتدبهم الظرف العصيب..
نفر ينادون في قومهم الثبات والإصرار والصمود، وكأنهم موعود الإله في الخلاص وبشارات النصر والانعتاق من الهزيمة والهوان، فتنهض الأمم خلفهم، على وقع بلاغهم الرشيد، ونهجهم القويم.
وأرى أن ظهور النخبة المثقفة الحقيقية يمثل طوق نجاة لأمتنا الجريحة، فهم من يأخذون على عاتقهم عبء النزال في حلبة التنوير، حين يبددون عتمة من الظلام قد أرخى سدوله على العقول، فتقوم تلك النخبة المثقفة بما ينبغي القيام به ناحية تصويب البلاغ إلى حيث وجهته السديدة والرشيدة، ناحية الهدف الكبير صوب النهوض، ألا وهو بناء الفرد، ففي بناء الفرد بناء للوطن..
نعم في أولى خطوات نهوض الأمم، يقف الفرد في المجتمع كضمانة محورية هامة، في حركة قيام الأمة، فإذا تردى التعليم، وتهاوت المعارف والفنون الراقية هبوطًا، وسادت ثقافة الهزيمة انتشارًا، على حساب ثقافة الإصرار والعزيمة، تكون البداية في انهيار منظومة الدولة، حين ترتع الأفكار المتطرفة المتأسلمة الهدَّامة، حينئذ يفشو الفساد في مرافق الدولة، وينحسر الانتماء للوطن في حدوده الدنيا.. فبيئة فيها الفرد غير مؤهل نفسيًا، جراء شيوع الإحساس بالضياع والوهن، هي بيئة حاضنة لأدوات الهدم كاملة.
من هنا يتحتم على المفكرين والمثقفين ورواد المعرفة أن يبدأوا بالفرد تأهيلًا نفسيًا رشيدًا، ويكون ذلك عبر استدعاء عظات التاريخ، ودروسه الملهمة للخلاص، وعبر الوقوف على ما من شأنه في المعارف، ما هو يرفع وتيرة التفاؤل والثقة بالنفس والأمل..
فالأمل هو سر البقاء ولولاه لتوقفت الحياة، فالإنسان يمكنه أن يعيش بلا بصر ولكنه لا يمكن أن يعيش بلا أمل.. والناس معادن ـ تصدأ بالملل، وتتمدد بالأمل، وتنكمش بالألم-.. فالأمل هو تلك النافذة الصغيرة، التي مهما صغر حجمها، إلا أنها تفتح آفاقًا واسعة في الحياة، ومن كان عسيرًا وصعبًا عليه ترويض النفس على التفاؤل والتشبث بالأمل، فهناك أشخاص هم الأمل بذاته فلنبحث عنهم.
فسقوط الفرد يبدأ بالتشاؤم، وانعدام الثقة في نفسه، الأمر الذى يترتب عليه في النهاية، سقوط المجتمع ومن ثم ضياع الوطن.. فلنشرع فى بث ثقافة التفاؤل والثقة بالنفس، لتكون هي أولى الخطوات فى تأهيل الفرد نفسيًا، على نحو يجعل قيامه متعافيًا هو قيام للأمة، ونهوض لها قد طال انتظارنا له.
