التغيير يكون بالفكر (الحلقة الثانية)
نعم يكون التغيير بالفكر، وذلك حين يتصدر المفكرون والتنويريون والحكماء والعلماء ملحمة الخلاص من الضياع والسقوط، بغية النهوض بأممهم نحو الغد والمستقبل، وهكذا قال التاريخ، إذ لما أرادت عراق الفرات القديمة "بابل وآشور" النهوض، انبرى مفكرها وعظيمها حمورابي -الذي حكم من 1711 ـ 1669 ق.م- دشن أول تشريع للحكم أُطلق عليه قانون حمورابي، إذ أهدى ـحمورابي- لأمته في زمانه موقع الريادة على الأمم، حين قدم خلاصًا من الفوضى، فعرفت الدنيا مطلع فجر القانون على يديه.
ولما تطلعت فارس القديمة خلاصًا من الجهل والأباطيل، بعد أن كادت تهوي في منزلق الضياع، شخص من بين النخب مفكرهم زاردشت (660 ـ 583 ق.م) مصلحًا اجتماعيًا، وعبقريًا فذًا، فقام بتسدسد خطى فارس نحو النهوض.
ولما راحت الصين في أتون الفوضى والاقتتال الداخلي، وتسلط الملوك الجبابرة على الشعب الصيني حتى كادت أمة الصين أن تنمحي في غياهب التاريخ، لولا ظهور حكيمهم كونفوشيوس (551 ـ 479 ق.م) إذ أقام بثاقب بصيرته الدولة، وأسس بنيانها في عقول النشئ، فراح يرمم التصدع في حياة الأسرة، حين أطلق دعوة الخُلق والفضيلة فتعافى المجتمع من أمراض الداخل.
ولما تاهت الهند ونساها عصرها وكادت تتلاشى.. تاقت أمة الهند لسبيل الرشاد، فأتى القدر ملبيًا، حين بزغ من بين نخبتها علمٌ بارز في دنيا الحكمة هو بوذا في القرن الخامس قبل الميلاد فاخطت لها سبيلًا للنجاة قطعته، فإذا بها أمة عظيمة تضاهي الأمم شموخا.
وهكذا تفعل النخبة الحقيقية لأممهم، ولما غابت تلك النخب عن الساحة، ومرَّ الزمان ولم يضن عليهم بأمثالهم، ظهرت في تلك الأمم أشباه النخب، فما كان منهم إلا أن أضلوا أقوامهم حين صرفوا الناس لعبادة هؤلاء الرموز المصلحة، ومع مرور الزمن ومع انقطاع وصل النخبة الحقيقية، ومع كثرة وجود أشباه النخب، تحول في عقول الناس أولئك الرموز إلى آلهة تُعبد.. وهكذا يفعل أشباه النخب في الأمم.
وأتى الإسلام في الشرق والدنيا صراع بين الكبار، كان العرب يومها يركضون خلف أذيال الكبار، فحولهم الإسلام الصحيح السمح المتعايش مع الآخر إلى أمة شامخة، قدمت جديدًا للإنسانية، بل وعلمت الأمم كيف تصنع نخبتها.. فيوم كان العرب أيام عز الدولة العباسية في عصرها الذهبي (785 ـ 847م) يترجمون علوم الأقدمين، من إغريق وفرس وهنود، ويبتكرون نظريات وعلومًا جديدة..
بينما هم كذلك يموجون في نهضة شاملة في شتى مناحي الحياة، من زراعة وصناعة وتجارة وعلم وفن وأدب.. كان غرب أوروبا يغط في الجهل الذى اشتهر به عصره الوسيط، وبقيت أوروبا في هذا الجهل وهذه الفوضى، إلى أن سطعت شمس العلوم الإسلامية إلى أوروبا من مراكز إذاعة الثقافة العربية في الأندلس، وأخصها طليطلة، وجنوب إيطاليا منضمة إليها جزيرة صقلية.
نعم في الوقت الذي كانت فيه أمتنا في عز مجدها العلمي، كان العالم تائه يتخبط من حولنا.. ففي الفترة ما بين سقوط روما الغربية على يد البرابرة (476م).. وبين قيام شارلمان (768م) بعد ذلك بحوالى ثلاثمائة عام، شهد العالم الأوروبي فترة ظلام دامس في تاريخه، حيث قامت الحروب المدنية، وحركات الطغيان الديني، فتلاشى سلطان الحكومات أمام سطوة الكهنوت الديني، فحلت الفوضى، وعمَّ الفساد، في الوقت الذي كان فيه المشرق العربي الإسلامي يواصل تقدمه ولمدة خمسمائة عام أخرى.
وأصبحت أسماء أعلام العرب أمثال الحسن بن الهيثم (1039م ) وابن سينا (1037م) وابن رشد (1198م) وابن باجه (1138م) وابن طفيل (1185م) على كل لسان في بيوت أوروبا كأعظم وأدق مفكري العالم.
ليس هذا فحسب، بل استطاعت النخبة الحقيقية أيام تليد مجدنا، أن تطلق في سماء دنيا السياسة عبقريًا تخطى زمانه الفارابى (870 ـ 950م) ليدشن نظريته السياسية في كتابه السياسات المدنية، وأتى بعده أول نجم عربي شمَّر عن ساعد الجد، وأخرج للأمة نظرية في الحكم والسياسة فاقت زمانها من حيث تقديم نموذج للدولة الوطنية المكتملة الملامح.. إنه العالم والفقيه أبو الحسن الماوردي (974 - 1058م) في كتابه الأحكام السلطانية فكان بمثابة دستور يحوي أسس قيام الدولة العصرية آنذاك..
وتواصل مدد النخبة العربية في وضع أدق النظريات السياسية في الحكم،إذ قدم العالم العربي شهاب بن أبي الربيع لزمانه كشفًا في انتقال الحكم وتداول السلطة في كتابه سلوك المالك فى تدبير الممالك الذى ألفه في عام 1256 م..
وإلى الحلقة القادمة..
