يوم رحل ابن رشد ترك لنا!
لم يدر فيلسوف التصوف الإسلامي محي الدين بن العربي يوم رأى جثمان حكيم الزمان أبي الوليد بن رشد 11 ديسمبر 1198م محمولا على بعير، وهو في طريقه من مدينة مراكش ليُدفن في مثواه الأخير بالأندلس، وفي الناحية الأخرى من حمل البعير ما خطَّه بيده بعد حرق كتبه 1196م.. لم يدر محي الدين بن العربي أن في تلك الأثقال من الكتب مكنون حكمة الزمان، تلك التي تطايرت لأوروبا فحوَّلت دامس ليلها نهارًا ساطعًا..
كما لم يدر ابن العربي حتى وفاته بدمشق 1240م أنه كان الأولى والأحق بها ممن طارت إليهم فلسفة الحكيم ابن رشد ـ الأوربيين- بدل أن راح ينسج على منوال جديد غير منوال أبي الوليد بن رشد..
فقد كان ضمن الأثقال المخطوطة، كتاب فيلسوف العرب وحكيمهم (فصل المقال) ذاك الذي حوى بين طياته ما لو استدعيناه في مأزقنا العربي المتأزم لاستبان لنا سبيل الرشاد.. حين وقف ابن رشد فيه بجلاء يحدد، من هي النخبة الحقيقية الحكيمة التي على الأمة التربص بها والسير خلفها..
فما أحوجنا في زماننا لسبيل يدلنا عليها.. بعد أن عربد أشباه النخب في الواقع تمزيقًا للصف، وفي التراث تشويها للمجد، ولم يكن تخبطنا الذى نعاني هو من فعل حكام السوء وإن ساهموا.. ولم يكن من فعل شعوب تخلفت وإن شاركت.. بل كان أشباه النخب أصحاب الفعل الأول والأصيل لانحدارنا وتخبطنا..
وذلك لما سارت خلفهم شعوبنا، وتحملت تطاولهم على حالهم وهم البؤساء، يرجون خلاصا وانعتاقا من التخلف، لم يرحموهم إذ حرَّموا الحلم والأمل عليهم، أولئك الذين قرروا علينا التشاؤم أنشودة، نرددها على أنغام التلاعن واليأس، فتلك ملامح القوم أشباه النخب..
وبمعرفة النخبة المثقفة الحقيقية كما عرَّفها لنا فليسوف العرب أبي الوليد بن رشد، إذ سماهم أهل النظر حينئذٍ نحترز سواهم من الأشباه والأشباح المتلبسة وهم النخبة التائهة لمَّا سماهم ابن رشد أهل الجدل.. فهيا لحكيمنا نستمع:
يقول ابن رشد مقسمَا مراتب تصديق الناس للحقائق:
في كتابه ـ فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال- إن هناك مستويات ثلاثة للناس إزاء التصديق، وذلك أن طباع الناس متفاضلة في التصديق، فمنهم من يصدق بالبرهان، ومنهم من يصدق بالأقاويل الجدلية تصديق صاحب البرهان بالبرهان، إذ ليس في طباعه أكثر من ذلك، ومنهم من يصدق بالأقاويل الخطابية كتصديق صاحب البرهان بالأقاويل البرهانية..
فجمهور الناس وعامتهم، الذين هم مقصد الشرع الأول، إنما يأتي لهم اليقين ويتحصل لهم الاطمئنان والإيمان بواسطة الأقاويل الخطابية والوعظية والشعرية، إلا أنها كافية لتحقيق يقين العامة وإيمانهم، ووصولهم إلى التصديق، بل إنه يجب أن لا نتعدى بهم هذا النطاق، لأن الدخول بهم في ميدان الجدل، أو حقائق البرهان، مفسد ليقينهم، وذاهب بإيمانهم، دون أن تكون لهم القدرة على استخدام هذه الأدوات، ومن ثم فلا يستطيعون أن يحصلوا بواسطتها أي نوع من أنواع التصديق واليقين.
والمرتبة التي تلي الجمهور، صعودا، هي مرتبة أهل الجدل، الذين لم يصلوا إلى مرتبة أهل البرهان، وإن كانوا قد ارتفعوا عن دائرة العامة والجمهور.. وهؤلاء لهم الأقاويل الجدلية سبيلا إلى التصديق. وهم إذ طُلب إليهم التصديق بالأقاويل الخطابية لم يتحصل لهم يقين، وإذ سلكوا طريق البرهان لم تتيسر لهم هذه الأدوات، ومن ثم لا تتحصل لهم ثمرات استخدامها..
وفي القمة يأتي أهل النظر، العارفون بصناعة الحكمة، والسالكون إلى التصديق عن طريق البرهان، وهم الفلاسفة الذين يجب أن يصونوا صناعتهم هذه عن أهل الجدل، وعن الجمهور، وذلك حفاظًا على التصديق الذى تحصل لكل فريق من السبيل الذي هيْ له وفق ما لديه من إمكانيات.. إنتهى كلام ابن رشد.
وفي أيامنا تلك تعذر ظهور أهل النظر والبرهان، وهم الخاصة والنخبة الحقيقية، تعذر ظهورهم رغم وجودهم بيننا، لكن لا يُسمح لهم بتصدر المشهد التنويري، المسموح به الآن على الساحة فقط، هم أهل الجدل أصحاب المرتبة الثانية وفق تعريف ابن رشد، وهم أشباه النخب وأنصاف المثقفين.. هكذا هو حال أمة غابت عنها نخبتها الحقيقية، لكن لن يطول حتما ذاك الليل البهيم، وسوف يعود هؤلاء في يوم هو آت لا محالة..
