جمهورية الفهلوة.. كيف هزم العلم وانتصر الفساد؟
ليست قضية الفساد في المجتمع المصري قضية جديدة، كما أنها لا تختزل في الرشوة أو الاستيلاء على المال العام أو استغلال النفوذ، وإنما تمتد إلى بنية المجتمع ومنظومة القيم التي تحكم العلاقات بين أفراده ومؤسساته، وتحدد معايير النجاح والصعود الاجتماعي. وتكمن خطورة الفساد الحقيقية حين يتحول من انحراف عن القواعد إلى آلية غير معلنة لتوزيع الفرص والمناصب والمكاسب، فيصبح العلم أقل قيمة من العلاقات، والكفاءة أقل تأثيرًا من المحسوبية، والإبداع أقل جدوى من الفهلوة.
ومن منظور علم الاجتماع السياسي، لا يمكن فهم هذه الظاهرة بمعزل عن التحولات التي شهدتها الدولة المصرية منذ سبعينيات القرن الماضي، حين اتجهت إلى إعادة تشكيل خياراتها الاقتصادية والاجتماعية، وتراجعت تدريجيًا بعض المرتكزات التي قامت عليها دولة ما بعد ثورة يوليو 1952، وفي مقدمتها توسيع فرص الحراك الاجتماعي أمام أبناء الطبقات الشعبية عبر التعليم والعمل والترقي الوظيفي. ولا يعني ذلك أن تلك المرحلة كانت خالية من الفساد أو المحسوبية، وإنما المقصود أن التعليم والكفاءة والعمل كانوا يمثلون، بدرجات متفاوتة، أدوات مهمة للصعود الاجتماعي.
ومع التحولات الاقتصادية والسياسية اللاحقة، وتزايد التفاوتات الاجتماعية، تعززت لدى قطاعات من المجتمع قناعة مؤداها أن الاجتهاد وحده لا يكفي لتحقيق النجاح، وأن امتلاك العلاقات والنفوذ والقدرة على الالتفاف على القواعد قد يكون أكثر فاعلية من امتلاك العلم والخبرة. وهنا لم يعد الفساد مجرد سلوك فردي يرتكبه شخص لتحقيق منفعة خاصة، بل أصبح مشكلة بنيوية تتغذى على اختلال توزيع الفرص وضعف تكافؤها، وعلى المسافة بين القواعد الرسمية والممارسات الفعلية.
وفي هذا السياق، تساعدنا أطروحة عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم حول الأنومي، أو اختلال المعايير الاجتماعية، على فهم جانب مهم من الأزمة. فعندما تتراجع فاعلية منظومة القيم التي تمنح العمل والعلم والاستحقاق معناها، دون أن تتشكل بدائل عادلة ومستقرة، يجد الأفراد أنفسهم أمام تناقض بين ما يتعلمونه من قيم النزاهة والاجتهاد، وما قد يواجهونه من ممارسات تكافئ غير ذلك.
وينشأ عن هذا التناقض شعور بالإحباط وفقدان الثقة، خصوصًا لدى الشباب والباحثين والمبدعين الذين يرون أن الطريق المشروع لا يضمن بالضرورة الوصول إلى المكانة التي يستحقونها.
أما مفهوم الاغتراب عند كارل ماركس، فيساعدنا على تفسير معاناة الإنسان الذي يشعر بأنه غريب داخل المجتمع الذي ينتمي إليه؛ فهو يؤمن بقيم العمل والإنتاج والإبداع، لكنه يجد نفسه مضطرًا إلى التكيف مع علاقات اجتماعية قد تنتصر فيها المصالح الشخصية على المصلحة العامة. ومع استمرار هذا التناقض، قد يلجأ بعض أصحاب الكفاءات إلى الانسحاب أو الهجرة أو التخلي عن طموحاتهم، بينما يختار آخرون التكيف مع الواقع على حساب مبادئهم.
وتزداد خطورة هذه الأزمة في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية لدى قطاعات واسعة من المواطنين؛ إذ تصبح العدالة في توزيع الفرص أكثر إلحاحًا، ويغدو الشعور بأن الجهد لا يقابله تقدير عادل مصدرًا إضافيًا للاحتقان الاجتماعي. فالفساد لا يهدر الموارد فحسب، بل يضعف الثقة في المؤسسات، ويقوض الإحساس بالمواطنة المتساوية، ويجعل الانتماء إلى شبكات المصالح في نظر البعض أكثر أهمية من امتلاك المعرفة والمهارة.
ولا يعني ذلك أن المجتمع المصري فقد قدرته على الإبداع أو أن جميع مؤسساته تعمل بالمنطق نفسه؛ فما زال هناك علماء وباحثون ومبدعون ومهنيون يتمسكون بقيم النزاهة، ويقدمون نماذج مضيئة للعمل الجاد. لكن التحدي الحقيقي هو تحويل هذه النماذج من استثناءات فردية إلى قاعدة مؤسسية تحكم التعيين والترقي وتوزيع الموارد وتقييم الأداء.
وقد أطلقت الدولة المرحلة الثالثة من الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد للفترة 2023-2030، بما يعكس الاعتراف بأهمية المواجهة المؤسسية لهذه الظاهرة. غير أن نجاح أي استراتيجية لا يقاس بمجرد إعلان أهدافها، بل بقدرتها على تعزيز الشفافية والمساءلة، وضمان تطبيق القانون على الجميع، وتوفير آليات فعالة للإبلاغ عن المخالفات، وحماية المصلحة العامة من تضارب المصالح واستغلال النفوذ.
إن مواجهة الفساد تتطلب، إلى جانب الرقابة والعقاب، إعادة بناء منظومة القيم التي تمنح العلم والعمل والإبداع مكانتها المستحقة. ويبدأ ذلك بإصلاح نظم التعليم والتوظيف والترقي، وربط المواقع والمسؤوليات بالكفاءة والإنجاز، وتوسيع فرص البحث العلمي، وإرساء قواعد واضحة تمنع المحسوبية والتمييز، مع تعزيز استقلال الرقابة وفاعلية المساءلة وإتاحة المعلومات التي تمكن المجتمع من متابعة الأداء العام.
إن معركة مصر الحقيقية ليست ضد الفاسدين وحدهم، بل ضد الظروف والمؤسسات والممارسات التي تسمح للفساد بإعادة إنتاج نفسه. فحين يصبح احترام القانون معيارًا ثابتًا، وتغدو الكفاءة طريقًا واقعيًا للنجاح، ويجد المبدع تقديرًا يحمي طموحه، نستطيع أن نستعيد الثقة في قيمة العمل المشروع.
أما استمرار انتصار الفساد على العلم والإبداع، فيعني إهدار أهم ثروات الوطن: الإنسان القادر على التفكير والإنتاج والتجديد. ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ حين ندرك أن بناء مجتمع عادل لا يتحقق بالشعارات، وإنما بإقامة مؤسسات تجعل النزاهة مجدية، والكفاءة مقدرة، والفساد مكلفًا، وتكافؤ الفرص حقًا فعليًا لكل مواطن، لا وعدًا مؤجلًا، اللهم بلغت اللهم فاشهد.
