لماذا عجز الربيع العربي عن إنتاج موخيكا؟!
في خضم موجة الربيع العربي التي اجتاحت المنطقة منذ عام 2011، وبينما كانت الجماهير تهتف بسقوط الرؤساء والأنظمة، كان سؤال ما بعد السقوط أكثر تعقيدًا من لحظة إسقاط الحاكم نفسه: من يحكم؟ وبأي أخلاق سياسية؟ وأي نموذج للقيادة يمكن أن يحول غضب الشارع إلى دولة عادلة وديمقراطية؟
وفي تلك اللحظة التاريخية التي كان فيها العرب يبحثون عن الرئيس الصالح، كان في أقصى جنوب أمريكا اللاتينية نموذج يستحق التأمل: خوسيه "بيبي" موخيكا، رئيس أوروغواي الذي وصل إلى قمة السلطة دون أن يتحول إلى أسير لها، وعاش في مزرعته المتواضعة، وقاد سيارة قديمة، وغادر الرئاسة دون أن يخرج منها بثروة هائلة.
هنا تحديدًا تبرز المفارقة: لماذا استطاعت أوروغواي أن تنتج موخيكا، بينما عجز الربيع العربي عن إنتاج نموذج عربي مشابه؟
لم يكن موخيكا قديسًا سياسيًا، ولا كانت سيرته خالية من التناقضات. فقد انخرط في شبابه في حركة توباماروس المسلحة، وخاض معها مواجهة عنيفة مع الدولة، ثم اعتقل وقضى قرابة خمسة عشر عامًا في سجون الحكم العسكري، في ظروف قاسية تركت آثارها على حياته وفكره.
لكن المفارقة الكبرى أنه خرج من السجن مع عودة الديمقراطية عام 1985، ولم يجعل من ماضيه وقودًا للانتقام؛ بل انتقل تدريجيًا من منطق الثورة المسلحة إلى العمل السياسي الديمقراطي، حتى وصل إلى الرئاسة عام 2010. وهنا تكمن إحدى أهم دلالات تجربته: المناضل لم يختف عندما أصبح رجل دولة، لكنه أعاد تعريف النضال من خلال مؤسسات الدولة.
عندما وصل موخيكا إلى الرئاسة، لم يكن الاختبار الحقيقي هو قدرته على الوصول إلى السلطة، وإنما قدرته على مقاومة إغراءاتها. رفض الإقامة في القصر الرئاسي، وظل يعيش في منزله الريفي البسيط قرب مونتيفيديو، واستمر في الاعتناء بمزرعته وزراعة الزهور، واشتهر بسيارته فولكس فاغن بيتل القديمة.
وكان يتبرع بجزء كبير من راتبه للأعمال الاجتماعية. لذلك أطلقت عليه الصحافة العالمية لقب أفقر رئيس في العالم. غير أن العبارة، رغم شهرتها، تخفي الحقيقة الأعمق: موخيكا لم يكن فقيرًا لأنه عاجز عن امتلاك المال، بل لأنه اختار ألا يجعل المال معيارًا لقيمة الإنسان أو الحاكم.
ومن زاوية علم الاجتماع السياسي، تصبح هذه المسألة أكثر أهمية من قصة السيارة القديمة والمزرعة المتواضعة. فالسلطة في المجتمعات لا تفسد فقط عندما تغيب القوانين، وإنما عندما تتحول إلى وسيلة لإنتاج طبقة من الامتيازات المرتبطة بالحاكم وأسرته ومحيطه. ولذلك كانت قيمة موخيكا في أنه قدم، بسلوكه قبل خطابه، تعريفًا مختلفًا للسلطة: المنصب العام وظيفة مؤقتة وليس ملكية شخصية.
لم يستخدم الرئاسة لتغيير نمط حياته جذريًا، ولم ينظر إلى الدولة باعتبارها غنيمة المنتصر. ولهذا اكتسبت صورته مصداقية تتجاوز حدود أوروغواي؛ لأن الناس عادة لا يصدقون السياسي عندما يتحدث عن الزهد، إلا إذا رأوه يمارسه.
لكن اختزال تجربة موخيكا في النزاهة الشخصية سيكون خطأ آخر. فقد حكم دولة ذات مؤسسات ديمقراطية مستقرة نسبيًا، ولم يكن وحده من يصنع السياسة أو يحمي الديمقراطية. وخلال رئاسته شهدت أوروغواي إصلاحات اجتماعية وقانونية مهمة، جعلت تجربته موضع اهتمام عالمي.
والأهم أنه استطاع أن يمارس السياسة داخل المؤسسات، وأن يتعامل مع الخصومة السياسية بوصفها جزءًا من الديمقراطية لا مبررًا لإلغاء الآخر. وهذا هو الفارق الجوهري بين الثائر الذي يريد هدم الدولة، ورجل الدولة الذي يريد إعادة بناء السياسة من داخلها.
وهنا نصل إلى مأزق الربيع العربي. فقد كانت الانتفاضات العربية غنية بالغضب الشعبي، لكنها لم تكن بالقدر نفسه غنية بالمؤسسات والقيادات القادرة على تحويل هذا الغضب إلى مشروع سياسي مستقر. سقط بعض الرؤساء، لكن سقوط الحاكم لم يكن يعني بالضرورة سقوط منظومة الحكم القديمة، كما أن الانتخابات وحدها لم تكن كافية لإنتاج ثقافة سياسية جديدة.
والأهم أن المجتمعات التي خرجت إلى الشوارع لم تكن تمتلك دائمًا حزبًا ديمقراطيًا راسخًا، أو مؤسسات وسيطة قوية، أو قيادة وطنية جامعة تستطيع أن تنتقل من شرعية الاحتجاج إلى شرعية الدولة. لذلك لم يكن السؤال: أين موخيكا العربي؟ بقدر ما كان السؤال الأصعب: أين البيئة السياسية والاجتماعية التي يمكن أن تنتج موخيكا عربيًا؟
فالمشكلة العربية ليست في ندرة الأشخاص النزهاء وحدهم، وإنما في بنية العلاقة بين المجتمع والسلطة. نحن نبحث غالبًا عن الزعيم المنقذ، ثم نضع بين يديه كل مفاتيح الدولة، قبل أن نكتشف أن النظام الذي صنعناه يسمح بتحويل المنقذ نفسه إلى حاكم مطلق.
أما تجربة موخيكا فتقول شيئًا مختلفًا: لا يكفي أن يكون الحاكم صالحًا؛ يجب أن تكون هناك مؤسسات تحد من سلطته، ومجتمع مدني قادر على مراقبته، وقضاء مستقل، وإعلام حر، وتداول حقيقي للسلطة. موخيكا لم يكن معجزة سياسية منفصلة عن مجتمعه؛ كان نتاجًا لبيئة ديمقراطية استطاعت أن تستوعب ماضيه الثوري وتعيد دمجه في الدولة.
رحل خوسيه موخيكا في مايو 2025 عن 89 عامًا، لكنه ترك وراءه سؤالًا يتجاوز أوروغواي وأمريكا اللاتينية إلى قلب المأزق العربي: لماذا ننجح في إسقاط الحاكم ولا ننجح في تغيير الثقافة التي تنتج الحاكم؟ ربما كانت الإجابة أن الربيع العربي ركز، بحكم طبيعة اللحظة، على من يحكم أكثر مما ركز على كيف تحكم الدولة.
ولذلك فإن البحث عن موخيكا عربي لا ينبغي أن يكون بحثًا عن شخص يحمل فضائله وحده، وإنما عن دولة تستطيع أن تجعل النزاهة قاعدة، والسلطة مسؤولية، والثروة الخاصة منفصلة عن المال العام، والرحيل عن الحكم أمرًا طبيعيًا لا مأساة سياسية. عندها فقط يمكن أن نقول إن الربيع العربي لم يعد مجرد انتفاضة ضد حاكم، بل أصبح ثورة حقيقية في معنى السلطة نفسها، اللهم بلغت اللهم فاشهد.
