الأزمة اليمنية.. لمن يريد أن يفهم!
لا يمكن فهم الأزمة اليمنية الراهنة باعتبارها مجرد حرب اندلعت في العقد الأخير بين جماعة الحوثيين والحكومة اليمنية، أو باعتبارها صراعًا داخليًا تحولت أطرافه إلى أدوات في صراع إقليمي؛ فالأزمة أعمق من ذلك، وترتبط بتاريخ طويل من تشكل الدولة والمجتمع وتعدد مراكز القوة في اليمن. ولعل العلاقة بين صنعاء وعدن تمثل أحد المفاتيح الأساسية لفهم هذا التاريخ.
فصنعاء، العاصمة التاريخية لليمن الشمالي، كانت مركزًا سياسيًا وإداريًا ارتبط بالإمامة الزيدية وبالقبائل ومراكز النفوذ التقليدية، بينما تحولت عدن، بحكم موقعها البحري والاستراتيجي، إلى مركز تجاري وسياسي مختلف، خصوصًا بعد الاحتلال البريطاني لها عام 1839.
ومنذ ذلك الوقت بدأت تتشكل تجربتان تاريخيتان مختلفتان داخل المجال اليمني: تجربة الشمال التي احتفظت بدرجة كبيرة من استقلالها عن الاستعمار، وتجربة الجنوب التي دخلت في احتكاك مباشر مع الدولة الاستعمارية البريطانية والاقتصاد التجاري العالمي. ولم يكن هذا الاختلاف مجرد اختلاف في أنظمة الحكم، بل انعكس على بنية المجتمع، وعلى النخب السياسية، وعلى مؤسسات الدولة، وعلى علاقة السلطة بالمجتمع.
في الشمال، استمرت الإمامة الزيدية حتى قيام ثورة 26 سبتمبر 1962 التي أطاحت بالنظام الإمامي وأعلنت الجمهورية العربية اليمنية. وقد دخل الشمال بعد الثورة في حرب طويلة بين الجمهوريين والملكيين، وانتهت في نهاية المطاف بتثبيت النظام الجمهوري. أما الجنوب فكان يعيش مسارًا مختلفًا تمامًا؛ إذ كانت عدن والمناطق الجنوبية خاضعة للنفوذ البريطاني، وتحولت عدن إلى ميناء دولي ذي أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة إلى بريطانيا والتجارة العالمية.
ومع تصاعد الحركة الوطنية المسلحة، انسحبت بريطانيا من الجنوب عام 1967، وأعلنت جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، التي تحولت لاحقًا إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. وهكذا أصبح اليمن دولتين بنظامين سياسيين مختلفين: اليمن الشمالي الجمهوري، الذي حافظ على بنية سياسية واجتماعية متشابكة مع القبيلة ومراكز القوى التقليدية، واليمن الجنوبي الذي اتجه تدريجيًا نحو نظام اشتراكي أكثر مركزية، وأقام علاقات وثيقة مع الاتحاد السوفيتي. ومن الناحية الاجتماعية والسياسية، أنتج الانقسام دولتين لهما مؤسسات ونخب وجيوش وتجارب سياسية مختلفة، رغم وحدة التاريخ والجغرافيا واللغة والمجتمع.
ولم يمنع قيام دولتين مستقلتين استمرار فكرة الوحدة اليمنية؛ فقد ظلت الحدود بين الشمال والجنوب حدودًا سياسية أكثر منها حدودًا تفصل مجتمعًا واحدًا بصورة كاملة. كانت القبائل والعائلات وحركة السكان والمصالح الاقتصادية تتجاوز الحدود، كما ظل الشعور بالانتماء إلى اليمن الواحد حاضرًا لدى قطاعات واسعة من المجتمع. وفي الوقت نفسه، تحولت العلاقة بين صنعاء وعدن إلى علاقة تنافس وصراع، واندلعت بين الدولتين حرب عام 1972 ثم حرب عام 1979، بالتوازي مع محاولات متكررة للتوصل إلى اتفاق على الوحدة.
ثم شهد الجنوب عام 1986 صراعًا دمويًا داخليًا أضعف بنيته السياسية، بينما كان الشمال يعيش هو الآخر تغيرات عميقة في موازين القوى. وفي نهاية الثمانينيات بدأت الظروف الدولية والإقليمية والداخلية تدفع باتجاه التقارب، حتى جاءت اللحظة التاريخية في 22 مايو 1990 بإعلان الوحدة اليمنية وقيام الجمهورية اليمنية.
غير أن الوحدة السياسية لم تكن تعني أن آثار الانقسام السابق قد اختفت؛ فقد ظلت مؤسسات الدولتين ومصالح النخب وبنية الجيش والاقتصاد والإدارة تحمل آثار المرحلة السابقة، وبدأ الخلاف بين شريكي الوحدة يتصاعد تدريجيًا حتى انفجرت حرب 1994. وانتهت الحرب بانتصار قوات الشمال وإعادة فرض الوحدة بالقوة، لتدخل القضية الجنوبية منذ ذلك التاريخ مرحلة جديدة من الشعور بالهزيمة والتهميش لدى قطاعات واسعة من الجنوبيين.
ومن هنا فإن القضية الجنوبية ليست وليدة الحرب الحالية، ولا يمكن تفسيرها فقط بالصراع مع الحوثيين؛ فهي تمتد إلى طبيعة الوحدة نفسها وإلى نتائج حرب 1994. فقد شعر كثير من الجنوبيين بأن الوحدة التي قامت على أساس الشراكة تحولت بعد الحرب إلى هيمنة سياسية وعسكرية واقتصادية من المركز في صنعاء. وظهرت لاحقًا مطالب بإعادة الحقوق والممتلكات وإصلاح أوضاع العسكريين والموظفين الجنوبيين، ثم تطور الحراك الجنوبي إلى تيارات أكثر وضوحًا في المطالبة بالانفصال واستعادة دولة الجنوب السابقة.
وبذلك أصبحت اليمن أمام قضية مزدوجة: قضية بناء دولة يمنية موحدة قادرة على استيعاب مواطنيها، وقضية جنوبية تطالب قطاعات منها بإعادة تعريف العلاقة بين الجنوب وبقية البلاد. وهذه الخلفية ضرورية لفهم ما حدث بعد 2011، لأن الحرب اللاحقة لم تبدأ من فراغ، بل انفجرت فوق أرضية سياسية واجتماعية كانت تعاني أصلًا من اختلالات عميقة.
جاء عام 2011 ليكسر التوازن السياسي الذي استمر طوال عقود. فقد اندلعت احتجاجات واسعة ضد حكم علي عبد الله صالح، وانتهت المبادرة الخليجية إلى انتقال السلطة إلى نائبه عبد ربه منصور هادي عام 2012. وكان يفترض أن تمثل المرحلة الانتقالية فرصة لإعادة بناء الدولة من خلال مؤتمر الحوار الوطني ووضع دستور جديد، إلا أنها واجهت مشكلات كبيرة تتعلق بتوزيع السلطة والثروة، وإعادة هيكلة الجيش، والقضية الجنوبية، ومستقبل شكل الدولة، إضافة إلى صعود قوى سياسية وعسكرية متنافسة.
وفي هذه البيئة المضطربة برز الحوثيون بوصفهم قوة عسكرية وسياسية رئيسية في شمال البلاد. وهنا بدأت الأزمة تنتقل من خلاف سياسي حول مستقبل النظام إلى صراع على السيطرة على الدولة ومؤسساتها، وهو ما مهد الطريق للانفجار الكبير الذي وقع عام 2014.
أما الحوثيون، فمن الضروري تحديد موقعهم بوضوح: هم حركة نشأت في شمال اليمن، في محافظة صعدة، وليست حركة جنوبية. وقد تطورت الحركة الحوثية من حركة دينية واجتماعية زيدية إلى قوة سياسية وعسكرية خاضت عدة جولات من القتال مع حكومة صالح. وفي عام 2014 استغل الحوثيون ضعف الدولة والخلافات السياسية، وبدأوا توسعًا عسكريًا انتهى بدخول صنعاء في 21 سبتمبر 2014.
والأهم أن تقدمهم لم يكن مجرد انتصار عسكري منفصل؛ فقد استفادوا في تلك المرحلة من تحالف مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح، الذي كان قد أصبح خصمًا سياسيًا للسلطة الانتقالية رغم أنه كان قد غادر الرئاسة. وسيطر الحوثيون على مؤسسات الدولة ومراكز عسكرية مهمة في العاصمة، ثم توسع نفوذهم إلى مناطق واسعة من شمال وغرب اليمن.
في يناير 2015 وصل الصراع إلى نقطة حاسمة عندما حاصر الحوثيون القصر الرئاسي، واضطر الرئيس هادي وحكومته إلى الاستقالة تحت ضغط الأمر الواقع. ثم تمكن هادي من الوصول إلى عدن، وتراجع عن استقالته، لكن الحوثيين واصلوا تقدمهم باتجاه الجنوب. وهنا أصبحت عدن مركزًا للسلطة المناهضة للحوثيين لفترة، قبل أن ينتقل هادي إلى السعودية.
وفي مارس 2015 تدخلت السعودية على رأس تحالف عسكري لدعم الحكومة المعترف بها دوليًا، وبدأت حرب واسعة غيرت طبيعة الصراع اليمني؛ فلم يعد مجرد صراع داخلي على السلطة، بل أصبح حربًا تتداخل فيها القوى اليمنية مع السعودية والإمارات وإيران وقوى دولية أخرى. وتمكنت القوات المناهضة للحوثيين بدعم التحالف من إخراج الحوثيين من عدن ومناطق جنوبية، بينما بقيت صنعاء تحت سيطرة الحوثيين.
لكن المفارقة أن الطرف المقابل للحوثيين لم يكن جبهة واحدة. فالحكومة المعترف بها دوليًا ضمت قوى وشخصيات عسكرية وحزبية وقبلية مختلفة، إلى جانب قوى جنوبية لها مشروعها الخاص. وفي 2017 تأسس المجلس الانتقالي الجنوبي، وأصبح قوة سياسية وعسكرية رئيسية في عدن ومناطق جنوبية، رافعًا مشروع استعادة دولة الجنوب. ولذلك وقعت مواجهات بين قوى يفترض أنها جميعًا في المعسكر المناهض للحوثيين، وكان أبرزها الصدامات في عدن عام 2019.
وفي 2022 نقلت صلاحيات الرئيس هادي إلى مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، ليصبح الإطار السياسي الرئيسي للحكومة المعترف بها دوليًا. وهكذا أصبحت الخريطة أكثر تعقيدًا: الحوثيون يسيطرون على صنعاء ومعظم الشمال الغربي، بينما لا توجد في الجنوب قوة واحدة تمثل الجميع أو تملك وحدها القرار السياسي والعسكري.
شهد عام 2026 تحولًا مهمًا في الجنوب؛ فقد تمكنت القوات المرتبطة بالحكومة والمدعومة خليجيا من استعادة مناطق جنوبية وشرقية كانت قد أصبحت تحت سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي، بما في ذلك حضرموت والمهرة، وأعيد تعزيز حضور الحكومة في عدن. وبذلك أصبح المشهد مختلفًا عن السنوات السابقة، حين كان المجلس الانتقالي يتمتع بنفوذ واسع داخل عدن والجنوب.
وفي المقابل ظل الحوثيون ممسكين بصنعاء وبمساحات واسعة من شمال وغرب البلاد. ولذلك فإن اليمن اليوم لا تحكمه سلطة وطنية واحدة تسيطر على كامل أراضيه؛ فهناك سلطة حوثية فعلية في صنعاء ومناطق الشمال والغرب، وسلطة حكومية معترف بها دوليًا تتمركز في عدن، إلى جانب قوى محلية وقبلية وعسكرية متعددة، تختلف مصالحها ومشروعاتها السياسية.
ومن منظور علم الاجتماع السياسي، تكشف الحالة اليمنية أن الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية بين الحوثيين والحكومة، ولا هي ببساطة حرب بين الشمال والجنوب؛ وإنما هي نتيجة تراكم تاريخي لأزمة الدولة وتوزيع السلطة والثروة والهوية والمشاركة السياسية. فالاختلاف بين صنعاء وعدن لم يبدأ مع الحوثيين، والقضية الجنوبية لم تبدأ في 2015، كما أن الحوثيين لا يمثلون كل الشمال، والمجلس الانتقالي لا يمثل كل الجنوب.
نحن أمام مجتمع واحد تمزقه مراكز متعددة للسلطة، وتتنازع داخله مشاريع مختلفة للدولة والوحدة والهوية. ولذلك فإن إنهاء الحرب يحتاج إلى معالجة جذورها لا نتائجها فقط: القضية الجنوبية، وشكل الدولة، وتوزيع السلطة والثروة، ودمج القوى المسلحة في مؤسسات وطنية، وضمان استقلال القرار اليمني.
إن مأساة اليمن أن الوحدة السياسية لم تتحول بصورة كاملة إلى اندماج اجتماعي وسياسي، وأن الحرب بدورها لم تنتج دولة بديلة قادرة على استيعاب الجميع. ومن هنا فإن مستقبل اليمن سيظل مرتبطًا بقدرته على الانتقال من منطق الغلبة العسكرية إلى منطق الدولة والمواطنة والشراكة الوطنية، بحيث تصبح صنعاء وعدن مركزين في وطن واحد، لا رمزين لانقسام دائم، اللهم بلغت اللهم فاشهد.
