رئيس التحرير
عصام كامل

مايكل وودفورد.. معلومات مهمة عن الفائز بجائزة نوبل في العلوم الاقتصادية 2026.. خلع عباء الصمت الأكاديمي.. وتخلى عن الولاء المطلق لإسرائيل ليروي للعالم حكايات الموت جوعا في دروب غزة

عالم الاقتصاد الأمريكي
عالم الاقتصاد الأمريكي مايكل وودفورد
18 حجم الخط

لم تكن عاصفة الغضب التي اجتاحت إسرائيل هذه المرة وليدة صاروخ اخترق سماءها، ولا عملية عسكرية قلبت حساباتها، بل جاءت من عالم الاقتصاد الأمريكي مايكل وودفورد الحاصل على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية للعام 2026 مناصفة مع مواطنه روبرت هول، والذي اعتاد التعامل مع الأزمات بلغة الأرقام، فإذا به يضع مأساة غزة في قلب معادلة أخلاقية لا تستطيع الأسواق احتواءها، ولا تستطيع السياسة إسكات صراخ ضحاياها.

فمن خلف نظارته الطبية وابتسامته الهادئة اللافتة، خاض وودفورد معركة لا تقاس بحسابات الربح والخسارة، ولا بألوان البورصة ومؤشراتها المتأرجحة صعودا وهبوطا، وإنما تقاس بأرواح الفلسطينيين الذين أنهكتهم الحرب، وأجساد الأطفال والنساء والشيوخ التي أنهكها الجوع، وبضمير العالم الذي يقف أمام مشهد الإبادة عاجزا عن إيقافها، حاملا رسالة إدانة لمخططات التجويع، التي تنتهجها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في غزة، بأن الجوع ليس مؤشرا عابرا في حسابات المعارك، وأن بعض العلماء، حين تضيق المسافة بين المعرفة والضمير، يقررون أن يتركوا صمت المختبرات والقاعات الأكاديمية، وولاءاتهم القديمة، ليقفوا في وجه المأساة.

مايكل وودفورد وروبرت هول الفائزان بجائزة نوبل في العلوم الاقتصادية 2026
مايكل وودفورد وروبرت هول الفائزان بجائزة نوبل في العلوم الاقتصادية 2026

في 12 أكتوبر الماضي، منحت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم كلا من وودفورد وهول جائزة نوبل تقديرا لأبحاثهما حول "الأسس الجزئية لاستقرار الاقتصاد الكلي"، وتقديم ساعدت الحكومات والبنوك المركزية على إدارة الصدمات الاقتصادية، مثل أزمات الطاقة والتضخم.

خبر كان من الممكن أن يمر مرور الكرام دون أن يؤدي إلى إثارة أي عواصف سياسية، باعتباره خبرا علميا اقتصاديا، لكنه تحول في إسرائيل إلى ما يشبه قنبلة تنشر شظاياها في كل شبر من الأراضي المحتلة، فيما بدا فوزه بالجائزة وكأنه رسالة موجهة إلى سلطات الاحتلال.

عشرات المذابح ونقطة تحول

منذ مولده عام 1955 وحتى فوزه بجائزة نوبل في العلوم الاقتصادية لعام 2026، كانت غزة مسرحا لمجازر متعاقبة، بداية من مجزرة "السهم الأسود" التي أسفرت عن استشهاد 38 شخصا، بينهم مصريون، إلى مذابح أخرى خلفت عشرات الآلاف من الضحايا، وصولا إلى حرب الإبادة الإسرائيلية الأخيرة التي أحدثت تحولا لافتا في موقف وودفورد، والذي قرر مغادرة مقعد "المراقب الأكاديمي"، ليصبح صوتا يفضح الإبادة، ويضع ثقل مكانته العلمية في مواجهة سياسات التجويع والقتل الإسرائيلية، في معركة لم تعد حساباتها محصورة في دفاتر الاقتصاد، بل امتدت إلى امتحان الضمير الإنساني.

الإبادة الإسرائيلية على غزة خلفت أكثر من 75 ألف شهيد
الإبادة الإسرائيلية على غزة خلفت أكثر من 75 ألف شهيد

ففي عام 2025، قرر وودفورد أن يكسر جدار الصمت، فحشد معه 22 من كبار علماء الاقتصاد، بينهم حائزون على جائزة نوبل، للتوقيع على رسالة مفتوحة تضع حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة أمام مواجهة أخلاقية واقتصادية. لم تكن الرسالة مجرد بيان أكاديمي عابر، بل صرخة تحذير من مجاعة تلوح في الأفق، بينما كانت حصيلة الشهداء الفلسطينينن تزداد اتساعا يوما بعد يوم منذ 7 أكتوبر 2023،. وبينما كانت الحرب تحصد الأرواح وتطحن ما تبقى من مقومات الحياة، وضع هؤلاء الاقتصاديون الـ23 أسماءهم ومكانتهم العلمية في مواجهة سياسات رأوا أنها تدفع القطاع المحاصر نحو كارثة إنسانية واسعة النطاق.

أكذوبة المدن الإنسانية

وحذرت الرسالة، الموجهة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتنياهو، المطلوب للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، من أكذوبة "المدن الإنسانية" التي تتبناها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، مؤكدة أن تلك السياسة ستؤدي إلى عواقب إنسانية كارثية على الفلسطينيين.

ويشير مصطلح "المدن الإنسانية" – المعروفة أيضا بالمناطق الإنسانية- إلى مناطق أنشاتها سلطات الاحتلال في 2024 كمخيمات لنقل مئات الآلاف من النازحين الفلسطينيين في قطاع غزة، داعية سكان القطاع ممن أجبروا على النزوح من ديارهم ومنازلهم، للتوجه إليها بزعم أنها آمنة، وتتوفر فيها الخدمات الإنسانية، ووسائل الرعاية الصحية، في خدعة فضحتها الأراضي القاحلة، وانعدام البنية التحتية، والكثبان الرملية الكثيفة، وغارات القصف الإسرائيلية اليومية، وسط تقديرات "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي" بأن أكثر من 1.4 مليون شخص، أي نحو 67% من سكان قطاع غزة البالغ عددهم أكثر من 2.2 مليون نسمة، يواجهون أزمة "انعدام الأمن الغذائي الحاد"!

حرب تجويع الفلسطينيين في غزة

وعند توقيع الرسالة، كان 12 من الموقعين عليها من الحائزين على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية. وبعد شهرين، فاز اثنان من الموقعين -وهما جويل موكير وفيليب أجيون- بالجائزة ذاتها، وانضم إليهما وودفورد نفسه؛ مما رفع عدد الحائزين على جائزة نوبل بين الموقعين على الرسالة إلى 15 عالما.

الأمر الآخر الذي أثار مناحة إسرائيلية هو أن قيادة وودفورد لحملة التوقيع على تلك الرسالة مثل تحولا لافتا في توجهاته؛ حيث عرف بتأييده السابق لإسرائيل، وكان صديقا مقربا لمحافظ بنك إسرائيل السابق ستانلي فيشر؛ حيث استخدم وودفورد، المصنف كأحد أبرز منظري الاقتصاد النقدي الحديث، مكانته الأكاديمية لكشف الجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي في حرب الإبادة على غزة، وجمع توقيعات العلماء الـ23 على مذكرة للمطالبة بوقف فوري لسياسات الاحتلال التي تفاقم الجوع في غزة.

كارثة إنسانية لا تتوقف

وربطت المذكرة بين الكارثة الإنسانية التي يعيشها الفلسطينيون ومستقبل إسرائيل الاقتصادي، مشددا على ضرورة فرض عقوبات أوروبية، ما يعني تراجع التصنيف الائتماني الإسرائيلي، وارتفاع تكلفة الاقتراض، وخروج العلماء وأصحاب المهارات وشركات التكنولوجيا العاملة في الأراضي المحتلة.

أحدثت الإبادة الإسرائيلية على غزة تحولا لافتا في توجهات وودفود السياسية
أحدثت الإبادة الإسرائيلية على غزة تحولا لافتا في توجهات وودفود السياسية

واستخدم الفائز بجائزة نوبل في العلوم الاقتصادية للعام 2026 مايكل وودفورد أسعار الطعام كإشارة لحجم المأساة التي يعيشها الفلسطينيون في ظل الإبادة الإسرائيلية، مشيرا إلى أن أسعار المواد الغذائية الأساسية في غزة بلغت –آنذاك- عشرة أمثال مستواها قبل اندلاع الحرب على غزة بثلاثة شهور.

أرقام في سجلات الحروب 

يحمل وودفورد درجة البكالوريوس في الآداب من جامعة شيكاغو، ودرجة دكتوراه في القانون من كلية الحقوق بجامعة ييل. وأكمل درجة الدكتوراه في الاقتصاد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. وبدأ مسيرته التدريسية في جامعة كولومبيا، وعمل أستاذا مساعدا في كلية الدراسات العليا للأعمال بجامعة شيكاغو. ويشغل وودفورد حاليا منصب أستاذ الاقتصاد السياسي في جامعة كولومبيا. وهو الباحث رقم 102 المرتبط بجامعة شيكاغو- والخريج الرابع عشر من كليتها الجامعية- الذي ينال جائزة نوبل.

وما بين مسيرة علمية بارزة، وتحول سياسي لافت، يبقى حصول وودفورد –المعروف بولائه السابق لإسرائيل- على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية وكأنه صوت اخترق قاعات الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم ليحكي للعالم أن وراء كل رقم حياة أو موت، ووراء كل سياسة وجوها تنتظر النجاة، وأن حكايات البشر في غزة لا يجب أن تكون مجرد أرقام في سجلات الحروب.

الجريدة الرسمية