حديث قلب
اعتزال طبيب شهير!
في العصر الذي يتسابق فيه الأطباء علي تحقيق المجد والشهرة والمال، قرر دكتور شهير هو الدكتور عادل الركيب أستاذ امراض الباطنة والجهاز الهضمي والكبد والمناظير بكلية طب الازهر، وعضو الاتحاد الاسيوسيفيكي، والاتحاد الاوروبي للكبد، أن يكسر قاعدة زملائه في تحقيق هذه الأحلام، وبمحض إرادته أعلن اعتزال مهنة الطب رغم احترافها لمدة نصف قرن، والانسحاب في هدوء، رغم أنه لا ينقصه شيء من مباهج الدنيا: المال والشهرة والمناصب العلمية والسمعة الطيبة، والانحياز الدائم للفقراء..
تري ما هي الدوافع وراء اتخاذ هذا القرار المفاجيء؟ لنستمع إليه وهو يشرحها بالتفصيل:
تعبت من أشياء كثيرة، تراكمت فوق بعضها حتى أصبح الاستمرار يحتاج إلى طاقة لم تعد لدي. منها ما حدث لي مع الضرائب. حيث تم الحجز على مبلغ كبير في حسابي بسبب تقديرات تخص عامي 2011 و2012، وهما من أصعب سنوات مصر، ثم بدأت رحلة طويلة في دهاليز الإجراءات، بين مجلس الدولة، ولجان التسويات والمنازعات، والمحاسبين والمحامين، استمرت قرابة أربع سنوات، وأنا أحاول أن أثبت حقي وأفك الحجز.
أربع سنوات من المصاريف، والمشاوير، والانتظار، والقلق، والإرهاق النفسي وانتهت المشكلة أخيرًا منذ نحو شهرين ولكن مازال الصراع والصداع مستمرا. ولكن بعض الأشياء عندما تنتهي على الورق.. لا تنتهي آثارها داخل الإنسان ثم جاءت قصة أخرى.
فاتورة مياه للعيادة تقترب من 23 ألف جنيه، بتقدير جزافي لعدم وجود محصل، ركبت عدادًا بتكلفة نحو خمسة آلاف جنيه، ودفعت نصف المبلغ، ولم أنتهِ من النصف الآخر إلا منذ أسبوع تقريبًا قد تبدو هذه التفاصيل صغيرة أمام مشاكل الحياة الكبيرة. لكنها ليست صغيرة عندما تكون قد أمضيت عمرك كله تحاول أن تفعل الصواب..
كنت أعمل، وأساعد، وأعالج من لا يستطيع وكان كثير من أهل المنطقة يأتون إلى العيادة ولا يملكون ثمن الكشف، فكنت أعالجهم مجانًا، وأساعد في الدواء والفحوصات قدر استطاعتي لم أفعل ذلك بحثًا عن الشكر. فالطب عندي كان رسالة قبل أن يكون مهنة.
لكن المؤلم أن تجد نفسك أحيانًا مضطرًا لإثبات أنك كنت صادقًا، وأنك لم تكن تحقق ما يتصوره البعض، وأنك قدمت خدمات مجانية لمن لا يستطيع. وكأن الأصل أن الإنسان لا يُصدَّق إلا إذا أثبت براءته! ثم تغيرت المنطقة التي كانت فيها العيادة.
تحولت من مكان هادئ إلى منطقة تجارية شديدة الازدحام، وامتلأت بالسكان والسيارات، حتى أصبح العثور على مكان لسيارتي معاناة يومية، وتعرضت سيارتي لأكثر من حادث لكن كل ذلك كان يمكن احتماله، أما ما لم أستطع احتماله حقًا فهو حال المرضى، أن ترى مريضًا أمامك يحتاج إلى تحاليل ولا يستطيع دفع ثمنها، تطلب له أشعة ضرورية فيقول لك: "إن شاء الله لما أقدر"..
تكتب له العلاج، ثم تعرف أنه لن يستطيع شراءه إلا لفترة قصيرة، وتدرك أن العلاج الذي وصفته قد يكون صحيحًا، وأن التشخيص قد يكون صحيحًا، وأن علمك وخبرتك قد يكونان كافيين لكن الظروف أقوى من الجميع. هذه من أقسى اللحظات على الطبيب.
فالطبيب لا يريد فقط أن يشخّص المرض. الطبيب يريد أن يرى مريضه يشفى. يريد أن يرى وجهه بعد أن تختفي آلامه. يريد أن يسمع منه: "أنا بقيت كويس يا دكتور".. وحين تعجز الظروف عن تحقيق ذلك، يشعر الطبيب بالعجز، مهما كانت خبرته، ومع مرور السنوات بدأت أشعر أنني أحمل هموم مرضاي معي إلى البيت.
أفكر في هذا المريض وأقلق على ذاك.. وأتساءل: هل استطاع أن يشتري الدواء؟ هل أجرى التحليل؟ هل تحسن؟ هل عاد إلى المستشفى؟ وهكذا أصبحت المهنة لا تنتهي بانتهاء ساعات العيادة، بل كانت تعيش معي ليلًا ونهارًا. حتى وصلت إلى لحظة قلت فيها لنفسي: لقد أعطيت الطب خمسين عامًا من عمري. ربما حان الوقت لأن أعطي ما تبقى من العمر لنفسي ولأسرتي وراحتي..
لا أعتزل لأنني كرهت الطب بل أعتزل لأنني أحببته، وأخلصت له، وأعطيته من عمري وصحتي ومشاعري ما يكفي أعتزل وأنا أحمل في قلبي آلاف الوجوه والقصص والذكريات. وجوه مرضى أصبح بعضهم أصدقاء. وأطفال كبروا أمام عيني وأسر عرفتهم سنوات طويلة وفقراء لم يكن يملكون ثمن الكشف، لكنهم كانوا يملكون شيئًا أغلى من المال.. دعوة صادقة من القلب، وربما كانت هذه الدعوات هي أعظم أجر حصلت عليه في حياتي..
بعد خمسين عامًا لا أريد أن أتذكر عدد المرضى الذين دخلوا عيادتي. أريد أن أتذكر فقط: كم إنسانًا خففت عنه ألمًا؟
كم مريضًا أعطيته أملًا؟ كم فقيرًا استطعت أن أساعده؟ وكم قلبًا تركت فيه ذكرى طيبة؟ هذه هي ثروتي الحقيقية.
أما الآن فقد آن الأوان أن أضع السماعة جانبًا، وأغلق باب العيادة، وأمضي في هدوء. ليس هروبًا من المسؤولية..
ولكن اعترافًا بأن لكل رحلة نهاية إن كان لي من كلمة أخيرة لمرضاي الذين أحببتهم طوال هذه السنوات:
سامحوني إن قصّرت، واذكروني بالخير كما سأذكركم دائمًا بالخير لقد كنتم جزءًا من أجمل وأصعب خمسين عامًا في حياتي وسأظل ما حييت، أفتخر أنني كنت طبيبًا. فالطب لم يكن وظيفتي يومًا كان قطعة من عمري، والآن أترك المهنة.. لكنني لا أترك الدعاء لكل مريض عالجته، ولكل إنسان مرّ في حياتي وترك فيها أثرًا.
