رئيس التحرير
عصام كامل

آخر السلاطين الأحرار، قصة تحول طومان باي من حاكم مصر إلى قائد حرب عصابات في شوارع القاهرة

طومان باي، فيتو
طومان باي، فيتو
18 حجم الخط

في خريف عام 1516، ومع دوي أنباء الهزيمة المأساوية وسقوط السلطان قنصوة الغوري قتيلًا في مرج دابق، كانت القاهرة والديار المصرية على موعد مع واحد من أصعب المنعطفات التاريخية في عمر دولة المماليك. في ذلك المناخ المشبع بالخوف والترقب، لم يكن عرش السلطنة مكسبًا بل كان كيانًا منهارًا يترنح أمام زحف عثماني مزلزل بقيادة سليم الأول. من وسط هذه الفوضى العارمة، برز اسم الأمير الشاب طومان باي ليتولى المسؤولية في لحظة استثنائية، محاولًا كتابة الفصل الأخير من مقاومة مملوكية عنيدة دافعت عن سيادة مصر حتى الرمق الأخير.

من طومان باي؟ الجذور والنشأة العسكرية

الأشرف أبُو النصر طومان باي، أو المعروف اختصارًا بـ طومان باي، هو أحد أبرز الأمراء المماليك الجراكسة الذين دخلوا مصر في طفولتهم ضمن أسواق الرقيق والتربية العسكرية الصارمة التي كانت تميز النظام المملوكي. لم يكن طومان باي من أبناء السلاطين، بل تدرج في مدارج الجندية والفروسية داخل القلاع والطباق المملوكية، حتى لفت الأنظار بكفاءته القتالية العالية وشجاعته النادرة.

ويذكر المؤرخ العثماني ابن إياس في موسوعته الخالدة بدائع الزهور في وقائع الدهور، وهي المرجع الأساسي والأهم لتلك الفترة، أن طومان باي عرف بين رفقائه بقربه من الناس العاديين، وميله للبساطة والشهامة، بعيدا عن الغطرسة والتعالي اللذين سيطرا على طبقة كبار الأمراء المماليك في أواخر عصرهم.

 

طومان باي في دوائر السلطة.. كيف ترقى؟

بدأ طومان باي خطواته الأولى في دوائر السلطة الضيقة عندما جذبه السلطان قنصوة الغوري، ولاحظ نبوغه الإداري والعسكري، فقلده عددًا من الوظائف القيادية الحساسة داخل القصر السلطاني بالقاهرة.

وترقى طومان باي تدريجيًا حتى تولى منصب "دواة دار" رئيس الديوان ومسؤول المراسلات الملكية، ثم أُسندت إليه مناصب قيادية رفيعة في الجيش، أبرزها "أمير آخور" المشرف على الإسطبلات السلطانية والخيول الحربية التي كانت عماد القوة العسكرية للمماليك، وهذه الوظائف قربته أكثر من مطبخ صنع القرار، وجعلته على إطلاع تام بمكامن ضعف وقوة الدولة المملوكية، لتأتي لحظة اختياره سلطانًا في نهاية عام 1516 كخيار إجباري لرجل دولة يحظى بالاحترام العسكري والقبول الشعبي العام لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

 

الأفكار الدينية والاجتماعية لـ طومان باي  

على عكس الصورة النمطية للمماليك كطبقة عسكرية مغلقة تعزل نفسها عن عامة الشعب المصري، كانت لرؤية طومان باي الاجتماعية والدينية سمات مغايرة ومقربة للشارع، حيث كان ينظر إلى الحكم باعتباره أمانة لحفظ الرعية، لذلك سعى فور توليه السلطنة إلى تخفيف الضرائب الباهظة والجبايات التي أثقلت كاهل المصريين جراء حروب قانصوه الغوري الطويلة.

 وكان يميل إلى العلماء والصوفية، ويلتمس البركة من مجالس العلم، مما جعله يحظى بتأييد ضمني من الأوساط الدينية في القاهرة، وهي السمة التي تجلت بوضوح في تحالفاته اللاحقة مع المقاومة الشعبية وأعيان الحارة المصرية حين بدأ الغزو العثماني.

 

المعركة الكبرى والمشهد الأخير.. “الريدانية”

مع زحف السلطان العثماني سليم الأول نحو الحدود المصرية، لم يجد طومان باي مفرًا من خوض المعركة الفاصلة. وقع الاختيار على منطقة الريدانية بالعباسية ـ شمال القاهرة حاليا، مطلع عام 1517، لتكون مسرحًا للمواجهة الأخيرة، واعتمد طومان باي خطة دفاعية مبتكرة عبر جلب المدافع وترتيبها، لكن المفاجأة الاستراتيجية التي نفذها العثمانيون بالالتفاف حول خطوط الدفاع المملوكية عبر طريق غير ممهد قلبت موازين المعركة.

ويوثق ابن إياس في بدائع الزهور تفاصيل تلك الأيام الدامية، مشيرًا إلى الشجاعة الأسطورية التي أبداها طومان باي حين اقتحم معسكر العثمانيين وحارب بنفسه ببطولة نادرة حتى كاد يقتل سليم الأول لولا تدارك الحراسة العثمانية للموقف. ورغم الهزيمة وسقوط القاهرة، لم يستسلم طومان باي، بل قاد حرب عصابات وحروب شوارع عنيفة من داخل حارات القاهرة وأزقتها مثل باب الشعرية وبولاق، استنزفت الجيش العثماني أسابيع طويلة.

وانتهى المشهد بوقوع طومان باي في الأسر إثر خيانة عدد من العربان، ليساق إلى باب زويلة، حيث أعدم شنقًا في أبريل 1517، لترتفع روحه معلنًا نهاية الدولة المملوكية، وتتحول مصر إلى ولاية عثمانية، تاركًا خلفه سيرة درامية ووطنية خلدتها الذاكرة الشعبية المصرية بوصفه آخر سلاطين المماليك الأحرار. 

الجريدة الرسمية