استثمار الوقت في الإسلام، كيف صنعت اللحظة أمجاد الحضارة الإسلامية؟
أكدت وزارة الأوقاف المصرية أن كل إنسان يمتلك الثروة نفسها كل صباح: أربعًا وعشرين ساعة لا تزيد ولا تنقص، والفارق بين الناجحين والمتأخرين يكمن في استغلال الوقت، مشيرة إلى كيفية استثماره.
الوقت نعمة إلهية ومسؤولية شرعية
وقالت وزارة الأوقاف: إن الله سبحانه وتعالى أنعم على الإنسان بنعمٍ عدّة، وأمره أن يسخّرها في طاعته تعالى، وفيما ينفعه في حياته الدنيا وفي الآخرة، ومن هذه النعم نعمة الوقت التي امتنّ الله سبحانه وتعالى بها على عباده في قوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَاۤئِبَیۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّیۡلَ وَٱلنَّهَارَ﴾ [إبراهيم: ٣٣].
بل أقسم عز وجل بأجزاء من الوقت في مواطن عدّة، فقال تعالى: ﴿وَٱلۡعَصۡرِ ١ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِی خُسۡرٍ﴾ [العصر: ١-٢].
وقال: ﴿وَٱلَّیۡلِ إِذَا یَغۡشَىٰ ١ وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾ [الليل: ١-٢].
وقال: ﴿وَٱلضُّحَىٰ ١ وَٱلَّیۡلِ إِذَا سَجَىٰ﴾ [الضحى: ١-٢].
وقال: ﴿وَٱلۡفَجۡرِ ١ وَلَیَالٍ عَشۡرࣲ ٢ وَٱلشَّفۡعِ وَٱلۡوَتۡرِ ٣ وَٱلَّیۡلِ إِذَا یَسۡرِ﴾ [الفجر: ١-٤].
فأقسم ربنا عز وجل بهذه الأوقات حتى نعلم قيمتها، ونصونها، ونحفظها، ولا نعمل فيها إلا خيرًا.
وأوضحت الأوقاف أن الله سبحانه وتعالى ربط في شريعته غالب العبادات بالوقت؛ فالصلوات الخمس لها أوقات معينة لا تصح قبلها، ويحرم تأخيرها عنها إلا لعذر، وكذلك صوم رمضان، وحج البيت، والزكاة، وغير ذلك من العبادات.
وينبّه المصطفى ﷺ بسنته القولية والفعلية إلى استثمار الوقت فيما ينفع، ويحذّر من إضاعة الأوقات سُدًى، فيقول: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» [صحيح البخاري (٦٤١٢)].
ويشير إلى أن اثنين من الأسئلة الأربعة التي يُسأل عنها العبد يوم القيامة يختصان بالوقت، فيقول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ؟» [أخرجه الترمذي (٢٤١٦)، والطبراني (١٠/٨) (٩٧٧٢)].
وكان استثمار الوقت إحدى نصائحه ﷺ، وضمن مواعظه لأصحابه، فقال: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ» [المستدرك للحاكم (٧٨٤٦)].
كيف صنع استثمار الوقت أمجاد الحضارة الإسلامية؟
وأكدت الأوقاف أن الأمة الإسلامية حققت أمجادها التي خلّدها التاريخ عندما اتبعت هذا النهج الرباني والهدي النبوي؛ فأعطى المسلمون الوقت قدره ولم يضيّعوه، واستحقت أمتنا أن تكون أمة قيادة وريادة حينما اهتمت بأوقاتها، وعلمت أنها مسؤولة عنها.
فإن علماءنا الذين نعتز بهم، كالأئمة الأربعة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، ومن بعدهم من علماء الإسلام في جميع المجالات، ممن خلّفوا وراءهم تراثًا عظيمًا ضخمًا رغم قلة الأدوات المتاحة في عصرهم، إنما بلغوا الغاية في العلم والإنتاج العلمي بما أولوه من اهتمام بالوقت.
فهذا ابن الجوزي رحمه الله، أحد علماء الإسلام، كان يأتيه الناس ليتجاذبوا معه أطراف الحديث، فكان يغتنم وقته، وهو يحدّثهم، في إعداد أقلامه للكتابة؛ لئلا تضيع هذه الدقائق....
وبحفاظ العلماء، والولاة، وموظفي الدولة، وأفراد المسلمين في ذلك الزمن على الوقت، واستثماره استثمارًا مفيدًا، حافظ المسلمون الأوائل على توجيهات ربهم، وطبّقوا تعاليم دينهم، وأقاموا أحكام شريعتهم، فأسسوا للدنيا حضارة شامخة، ومجدًا خالدًا.
ولذلك لا نستغرب اليوم عندما نسمع أو نقرأ أن أحدهم ألّف من الكتب ما يربو على أربعمائة كتاب أو أكثر، في مختلف العلوم، مما يعكف العالم الآن على دراسته والتزود منه.
قال الحسن البصري: "لقد أدركت أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشد حرصًا منكم على أموالكم".
هؤلاء هم الذين حافظوا على أوقاتهم، فكانوا يستغلونها في سيرهم في الطريق إلى الله، ويغتنمون كل لحظة من أعمارهم في طاعته ونفع مجتمعهم.
ولم يعرف التاريخ أمة من الأمم اهتمت شريعتها بالزمن، وحثت على اغتنامه قبل ضياعه، مثل الأمة الإسلامية؛ وذلك لأن الزمن هو الحياة، وهو العمل والإنتاج، وهو التطور العلمي في تشييد الحضارات وازدهارها.
التسويف وآثاره في ضياع الأعمار والفرص
ولذلك يجب أن يحذر مسلمو هذا العصر من إضاعة الوقت، وليحرصوا على العمل بجد، خاصة في أخصب أيام عمرهم، وهي مرحلة الشباب.
وعلى الإنسان أن يحذر التسويف وتأجيل عمل اليوم إلى الغد؛ فإن «سوف» جند من جنود إبليس، والإنسان لا يضمن أن يعيش إلى غد، وإذا عاش فلا يضمن أن يخلو غده من الصوارف والشواغل.
تنظيم الوقت وبناء المجتمع المنتج المنضبط
ويجب على المسلم أن ينقل واجباته نحو وقته من دائرة المعرفة إلى الواقع والتنفيذ؛ فأول ما يجب عليه تجاه وقته هو المحافظة عليه والاستفادة منه، كما يحافظ على ماله، بل أكثر من ذلك.
فتقسيم الوقت وتوزيعه للاستفادة منه أمر لازم على كل مسلم، وذلك بضبطه، وتنظيمه، واستثماره فيما يعود بالفائدة على الفرد والمجتمع.
إن أول مدارج الإصلاح، والانتظام في صفوف الأمم القوية العاملة الجادة، هو القدرة على ضبط أنفسنا وأبنائنا، والتحكم الدقيق في ساعات عمرنا، حتى يتحول مجتمعنا إلى مجتمع منضبط، عامل، منتج، يحسن توظيف قدراته، ومواهبه، ومؤهلاته، وكفاءاته.
فاللهم استخدمنا ولا تستبدلنا، وأعنا على القيام بواجب الوقت على الوجه الذي يرضيك عنا، آمين.
قيمة الوقت في الإسلام
وأكدت الأوقاف أن الوقت هو رأس مال الإنسان الحقيقي، وما يضيع منه لا يعود أبدًا؛ ولذلك جعل الإسلام حفظه واستثماره عبادة ومسؤولية، وربط به العبادة والعمل والعلم والعمران. فمن عرف قيمة ساعاته، وأحسن توظيفها في طاعة الله ونفع الناس، جمع بين صلاح دنياه وفلاح آخرته، وكان لبنةً في بناء أمة عاملة منتجة راشدة.
