رئيس التحرير
عصام كامل

حكاية عم مصطفى وبراميل الخشب في درب فايد.. حرفة ورثها عن 3 أجيال ولا يريد توريثها لأبنائه.. وسعر البرميل يبدأ من 250 جنيهًا (فيديو وصور)

صناعه البرميل حرفة
صناعه البرميل حرفة يدوية
18 حجم الخط

من قطعة خشب خام إلى برميل يحتضن المخللات والبهارات.. حكاية حرفة عمرها أجيال، قاومت تغير الخامات والأذواق، ولم تجد طريقها إلى أبناء عم مصطفى.

في درب فايد، حيث لا تزال بعض الورش الصغيرة تحتفظ بأسرار المهن اليدوية، يقف عم مصطفى داخل ورشته ممسكًا بالخشب، يتعامل معه بخبرة رجل قضى نصف قرن من عمره في صناعة البراميل الخشبية. هنا، لا تبدأ الحكاية من قطعة خشب فحسب، بل من مهنة توارثتها العائلة أبًا عن جد، حتى أصبح عم مصطفى الجيل الرابع الذي يواصل الحرفة في الورشة نفسها.

على مدار 50 عامًا، اعتاد عم مصطفى أن يرى الخشب في صورته الأولى، قبل أن يتحول بين يديه إلى برميل متماسك، تتعدد أحجامه واستخداماته، ويجد مكانه في المطابخ ومحال العطارة والحدائق. لكن خلف هذه الصناعة التي قد تبدو بسيطة لمن يراها من الخارج، تختبئ مراحل متتابعة تحتاج إلى خبرة ودقة، اكتسبهما الرجل بالممارسة الطويلة.

ثماني مراحل.. من الخشب الخام إلى البرميل

لا يُصنع البرميل الخشبي بضربة مطرقة أو بتجميع ألواح متجاورة، فلكل مرحلة حساباتها التي تحدد شكل المنتج النهائي ومدى تماسكه.

يبدأ العمل بتحضير الخشب، ثم مسحه وتجهيزه، وتحديد المقاسات المطلوبة، قبل الانتقال إلى تقطيع الأجزاء وتجميعها. بعد ذلك يأتي دور وضع الأطواق الحديدية التي تساعد على إحكام تماسك البرميل، وصولًا إلى مرحلة الطلاء التي تمنحه شكله النهائي.

ثماني مراحل، كما يوضح عم مصطفى، تختصر جانبًا من خبرة تراكمت عبر سنوات العمل، لكنها لا تختصر بالضرورة كل ما تتطلبه المهنة من مهارة؛ فالتعامل مع الخشب يحتاج إلى معرفة بطبيعته، والقدرة على اختيار المقاسات المناسبة لكل استخدام، حتى يخرج البرميل في صورته المطلوبة.

وفي ورشته، لا يقتصر الإنتاج على مقاس واحد؛ فهناك البراميل الصغيرة والمتوسطة والكبيرة، بحسب احتياجات الزبائن. وتبدأ الأسعار من 250 جنيهًا، وتختلف وفقًا لنوع الخشب والخامة وحجم البرميل.

برميل واحد.. واستخدامات لا تتوقف عند المخللات

قد يرتبط البرميل الخشبي في ذاكرة كثيرين بمشهد تخليل الطرشي، لكنه لم يعد حبيس هذا الاستخدام وحده. فإلى جانب دوره في حفظ المخللات، يمكن أن يُستخدم في محال العطارة لحفظ البهارات وغيرها من المنتجات، كما يدخل في بعض الاستخدامات المرتبطة بالأعشاب والحلف، وفقًا لطبيعة المنتج وطريقة تخزينه.

وامتدت استخداماته أيضًا إلى الحدائق، حيث يتحول إلى وعاء للزراعة أو قطعة ديكور تضفي طابعًا ريفيًا على المكان.

هكذا، لم يعد البرميل مجرد أداة تؤدي وظيفة محددة، بل أصبح منتجًا تتغير أشكاله وأحجامه بحسب احتياجات السوق. وبين من يبحث عنه لغرض عملي، ومن يريده للزينة، يحاول عم مصطفى أن يوفر المقاس المناسب لكل طلب، مستفيدًا من خبرته الطويلة في التعامل مع الخشب.

الخامات متاحة.. لكن المهنة ليست سهلة

رغم ما قد يتصوره البعض عن صعوبة الحصول على الأخشاب اللازمة للصناعة، يؤكد عم مصطفى أن الخامات متوفرة باستمرار، وأنه يستطيع الحصول عليها بسهولة. غير أن توافر المواد الخام لا يعني أن الطريق إلى إتقان المهنة أصبح أسهل؛ فالصعوبة الحقيقية تكمن في العمل نفسه، وما يتطلبه من وقت ومجهود وخبرة عملية.

ولعل هذا ما يفسر قراره بعدم تعليم أبنائه المهنة، رغم أنها إرث عائلي امتد عبر أربعة أجيال. فبحسب حديثه، لم يرغب في أن يسلك أبناؤه الطريق نفسه، نظرًا إلى صعوبة العمل ومشقته.

وهنا تبدو المفارقة واضحة: مهنة حافظت عليها العائلة جيلًا بعد جيل، قد تتوقف عند صاحبها الحالي، لا لغياب الخامات أو انعدام الطلب، وإنما لأن مشقة العمل لم تعد مغرية بما يكفي لانتقالها إلى الجيل التالي.

خمسون عامًا.. كل شيء تغير

حين يُسأل عم مصطفى عما تغير في المهنة منذ بدأ العمل قبل نحو نصف قرن، لا يحصر إجابته في أداة أو مرحلة بعينها؛ بل يقول إن كل شيء تغير، من طبيعة الصناعة والخامات إلى أذواق الزبائن.

فما كان مطلوبًا بالأمس قد يختلف عما يبحث عنه الزبون اليوم، كما تتغير الخامات وأساليب العمل، وتتبدل استخدامات المنتج نفسه. وبين هذه التحولات، يحاول صاحب الورشة أن يواكب ما يطلبه السوق، مستندًا إلى خبرة اكتسبها على مدار عقود.

لكن التغير، في نظره، لا يقتصر على شكل البرميل أو مقاساته؛ إذ يشير أيضًا إلى مشكلة الغش والتلاعب التي قد تواجه الزبائن في بعض المهن اليدوية، حين يستبدل العامل خامة بأخرى دون علم المشتري، بما يؤثر في جودة المنتج وقيمته.

وتكشف هذه الملاحظة جانبًا آخر من واقع الحرف التقليدية؛ فإلى جانب المهارة اللازمة لصناعة المنتج، تظل الثقة بين الصانع والزبون عنصرًا أساسيًا في استمرار المهنة، خصوصًا عندما لا يستطيع المشتري تقييم جودة الخامات بمجرد النظر إلى الشكل النهائي.

حرفة موروثة.. ومستقبل غير مضمون

في ورشة عم مصطفى بدرب فايد، لا يزال البرميل الخشبي يخرج من بين الألواح والأطواق الحديدية بعد سلسلة من العمليات المتتابعة. ولا تزال خبرة خمسين عامًا حاضرة في يد صانع ينتمي إلى الجيل الرابع من عائلته، حافظًا ما ورثه من أسلافه، حتى لو قرر ألا ينقله إلى أبنائه.

ليست حكاية عم مصطفى مجرد قصة رجل يعمل في صناعة يدوية قديمة؛ إنها حكاية مهنة تقف بين قوتين متعارضتين: إرث عائلي حافظ عليها لعقود، وواقع يجعل استمرارها أكثر صعوبة من انتقالها من جيل إلى آخر.

ويبقى السؤال الذي تطرحه الورشة، وسط ضجيج الحياة المتسارعة: كم حرفة أخرى لا تزال قائمة بفضل خبرة أصحابها وحدهم، وقد تختفي برحيلهم، لأن الجيل التالي لم يعد مستعدًا لتحمل مشقتها؟

الجريدة الرسمية