رئيس التحرير
عصام كامل

نَفَس من القاهرة القديمة.. حكاية الشيشة في شارع المعز (فيديو وصور)

صناعة الشيشة
صناعة الشيشة
18 حجم الخط

في قلب القاهرة القديمة، حيث تتجاور العمارة التاريخية مع الدكاكين والحرف التي توارثتها الأجيال، تبدو الشيشة جزءًا مألوفًا من المشهد. وفي شارع المعز، لا تقتصر الحكاية على بيعها جاهزة، وإنما تمتد إلى ورش تعمل على تشكيل أجزائها وتجميعها، ثم محال تعرض عشرات التصميمات والأحجام أمام الزائرين.

هنا، تتحول الشيشة من مجموعة قطع معدنية وزجاجية إلى منتج كامل، تبدأ حكايته من الخامة وتنتهي في واجهة محل أو على طاولة مقهى.

من المعدن تبدأ الحكاية

في ورش شارع المعز، تُستخدم خامات مختلفة في صناعة جسم الشيشة، من بينها النحاس والستانلس والكروم، وتختلف قيمة المنتج وشكله بحسب الخامة وطريقة التشطيب.

تمر القطع المعدنية بمرحلة تشكيل تعتمد على القوالب والخرط، لتأخذ الشكل المطلوب، ثم تُجمع الأجزاء المشكلة باللحام لتكوين جسم الشيشة. وبعدها تأتي مرحلة التشطيب التي تمنح المعدن مظهره النهائي، سواء باللمعان أو الزخرفة أو التفاصيل التي تميز تصميمًا عن آخر.

ولا تتوقف صناعة الشيشة عند الجسم المعدني؛ فاكتمالها يحتاج إلى مجموعة من الأجزاء التي تعمل معًا، من القاعدة، والعمود، والصحن، والرأس، والخرطوم، إلى الصمامات والوصلات المختلفة.

أشكال لا تنتهي

مع اكتمال الأجزاء، تظهر المساحة الأكبر للإبداع في التصميم. شيش طويلة وأخرى قصيرة، نماذج بسيطة وأخرى مزخرفة، أجسام معدنية لامعة وقواعد زجاجية بألوان وأشكال مختلفة.

وفي المحال، تُرص الشيش في الواجهات بطريقة تجعلها أقرب إلى معرض صغير للحرف اليدوية. تتجاور الأحجام المختلفة، وتظهر التفاصيل المعدنية بجوار الزجاج الملون، فيما تجذب التصميمات غير التقليدية عيون المارة قبل أن يعرفوا حتى أسعارها.

ومن بين المشاهد اللافتة في المنطقة، توقف الزائرين الأجانب أمام هذه الواجهات؛ يتأملون اختلاف الأشكال والأحجام، يمسكون بعض القطع لفحص تفاصيلها، ويختارون منها ما يحمل بالنسبة لهم صورة بصرية عن القاهرة القديمة. فالشيشة هنا لا تُباع دائمًا باعتبارها أداة استخدام، وإنما قد تتحول أيضًا إلى قطعة تذكارية مرتبطة بتجربة زيارة المدينة.

 

 

 

الرأس.. حيث يبدأ المعسل

لكن الشيشة لا تكتمل من دون المعسل، وهو منتج تبغ له مواصفات ومعايير محددة في مصر، وتُصنّفه الهيئة العامة للتنمية الصناعية ضمن منتجات التبغ. كما توجد مواصفة مصرية خاصة بالتبغ المعسل ومكوناته ونسب مواد الخلط المضافة إليه.

ومع تغير أذواق المستهلكين، أصبحت النكهات جزءًا أساسيًا من سوق المعسل فإلى جانب النكهات التقليدية، تعرض الشركات منتجات بنكهات الفواكه والخلطات المختلفة، من الليمون والنعناع والبرتقال إلى الفراولة والخوخ والكرز وغيرها.

وعند الاستخدام، يوضع المعسل في رأس الشيشة، بينما تتحكم طريقة توزيعه وكمية الحرارة التي تصل إليه في طريقة اشتعاله وتكوّن الدخان.

الفحم هو مصدر الحرارة

على الرفوف نفسها تظهر عبوات الفحم بأشكال وأحجام متعددة، باعتباره جزءًا أساسيًا من مستلزمات الشيشة.

وتوجد أنواع طبيعية مصنوعة من قشور جوز الهند المضغوطة، إلى جانب أنواع أخرى سريعة الاشتعال. ويختلف الفحم الطبيعي عن سريع الاشتعال في طريقة الإشعال ومدة الاحتراق؛ فالفحم الطبيعي يحتاج إلى تسخين أطول قبل استخدامه، بينما يحتوي سريع الاشتعال على مادة تساعد على إشعاله بسرعة.

وتنتشر أيضًا قوالب الفحم في أشكال مختلفة، بينها المكعبات، وتختلف المقاسات بحسب نوع الاستخدام وحجم الرأس المستخدم.

من الورشة إلى واجهة المحل

في النهاية، تجمع الشيشة بين أكثر من حرفة ومنتج: معدن جرى تشكيله وتشطيبه، قاعدة وأجزاء زجاجية، خراطيم ووصلات، رأس يحمل المعسل، وفحم يتحول إلى مصدر للحرارة.

لكن أكثر ما يلفت النظر في شارع المعز هو اللحظة التي تنتقل فيها هذه الأجزاء من عالم الورشة إلى عالم العرض. خلف الزجاج، تصطف الشيش في صفوف وأحجام مختلفة، بعضها يحمل ملامح شرقية واضحة، وبعضها بتصميمات حديثة وألوان لافتة.

وبين حركة المارة، يتوقف الزائر أمام الواجهة، يقارن بين قطعة وأخرى، وينظر إلى تفاصيل ربما لم يكن يتوقع أن يجدها في أداة مرتبطة في ذهنه بجلسات المقاهي.

وهكذا، تظل الشيشة في شارع المعز حكاية تبدأ من الحرفة وتنتهي في تجربة الزائر؛ معدن وزجاج ونكهات وفحم، تجتمع كلها في منتج واحد يحمل جانبًا من ملامح القاهرة القديمة إلى جانب حضورها المستمر في الحياة اليومية.

الجريدة الرسمية