رئيس التحرير
عصام كامل

من "سن العفريت" إلى "أظافر الشيطان".. حكايات غريبة خلف أبواب عطاري "الحمزاوي الصغير".. بهارات وبخور ومقتنيات غامضة.. التوابل بالكيلو وتكشف حكايات السحر والطلاسم

شارع الحمزاوي الصغير
شارع الحمزاوي الصغير
18 حجم الخط

من أسواق التوابل التي تُوزن فيها البضائع بالكيلو، إلى مقتنيات غريبة ارتبطت بالموروث الشعبي وحكايات السحر والطلاسم، تتشكل في الحمزاوي الصغير بالقاهرة القديمة صورة مختلفة لعالم العطارة؛ حيث تتجاور البهارات والأعشاب والبخور مع منتجات تحمل أسماء تثير فضول الزائر، وتفتح الباب أمام حكايات تتداخل فيها التجارة بالمعتقدات الشعبية.


رائحة لا تخطئها الذاكرة

قبل أن تصل إلى واجهات المحال، تكون رائحة العطارة قد سبقتك. فالكمون والكزبرة والفلفل الأسود والقرفة والقرنفل تمتزج روائحها في الهواء، وتزداد كثافتها كلما اقتربت من الأجولة المفتوحة وأكياس التوابل المتراصة داخل المحال.

هنا، في الحمزاوي الصغير، لا تبدو البهارات مجرد مكونات تُضاف إلى الطعام، بل تمثل السلعة الأساسية التي صنعت شهرة السوق وجعلته مقصدًا لتجار العطارة وأصحاب المحال وربات البيوت.


تتنوع المعروضات بين التوابل المحلية والمستوردة، والأعشاب المجففة، والبخور، والزيوت، ومستلزمات المشروبات الشعبية. وبين أصناف مألوفة في كل مطبخ مصري وأخرى لا يعرفها إلا أصحاب المهنة أو الزبائن المعتادون على البحث عن منتجات بعينها، يحتفظ السوق بطابع تجاري تشكل عبر سنوات طويلة.


لكن الحمزاوي لا يتوقف عند حدود المطبخ؛ ففي بعض المحال تظهر مقتنيات غير مألوفة، وتتردد أسماء يصعب على الزائر العابر التمييز بين طبيعتها الفعلية وما أحاط بها من حكايات متوارثة. ومن بينها ما يُعرف شعبيًا باسم «سن العفريت» و«أظافر الشيطان»، إلى جانب حيوانات محنطة ومقتنيات أخرى ارتبطت في بعض الروايات بالمعتقدات الشعبية المتعلقة بالسحر والطلاسم.

وهكذا تبدأ الحكاية من شارع اشتهر بتجارة التوابل، لكنها تمتد إلى عالم تتقاطع فيه البضائع مع الموروث الشعبي، وتتحول فيه أسماء بعض المنتجات إلى مدخل لأسئلة عن طبيعتها واستخداماتها الفعلية، ومدى ارتباطها بما يتداوله الناس من حكايات.


من الوراقين إلى سوق العطارين

يقع الحمزاوي الصغير في قلب القاهرة التاريخية، بالقرب من شارع المعز وشارع الأزهر ومنطقة الحسين. وترتبط نشأته التجارية بتاريخ طويل من التحولات التي شهدتها المنطقة؛ إذ تشير روايات تاريخية إلى أن الشارع عُرف باسم «شارع الوراقين»، قبل أن يرتبط اسمه بتجارة العطارة والتوابل.


وتنسب روايات عن تاريخ المكان تسميته إلى خان الحمزاوي، المرتبط بالأمير حاتم الحمزاوي في العصر العثماني. ومع تطور الأنشطة التجارية في القاهرة القديمة، أصبح الشارع واحدًا من الأسواق المعروفة بتجارة العطارة، محتفظًا بمكانته وجهةً لشراء أصناف متعددة من التوابل والأعشاب، سواء بالجملة أو القطاعي.


ولم تقتصر تجارة الحمزاوي على البهارات المستخدمة في إعداد الطعام، بل امتدت إلى مستلزمات المشروبات التقليدية والأعشاب والبخور والزيوت ومنتجات أخرى تتنوع استخداماتها بين الغذاء والتعطير والوصفات الشعبية.


ويعكس هذا التنوع جانبًا من أسباب شهرة السوق؛ فبينما يقصده البعض لشراء احتياجات المطبخ، يبحث آخرون عن أصناف نادرة أو منتجات يصعب العثور عليها في المتاجر العادية. وبين هؤلاء وأولئك، تحتفظ العطارة بمكانة تجمع بين التجارة اليومية والخبرة التي توارثها أصحاب المهنة عبر الأجيال.


كم يبلغ سعر كيلو البهارات في الحمزاوي؟

تظل الأسعار أحد العوامل المهمة التي تجذب المتسوقين إلى الحمزاوي الصغير، خصوصًا مع تنوع الأصناف وإمكانية الشراء بكميات مختلفة، إلى جانب وجود منتجات محلية وأخرى مستوردة.


ولا يتحدد سعر التابل باسمه فقط، بل يتأثر بعوامل عدة، من بينها الجودة والمنشأ ودرجة التجهيز، فضلًا عن اختلاف الأسعار بين البيع بالجملة والقطاعي.


وبحسب الأسعار الواردة من السوق، سجل كيلو الكمون البلدي نحو 480 جنيهًا، والفلفل الأسود نحو 380 جنيهًا، والكركم البلدي 220 جنيهًا، والفلفل الأبيض 640 جنيهًا، فيما بلغ سعر الكمون المستورد نحو 500 جنيه. 


كما سجل كيلو الزنجبيل الصيني نحو 300 جنيه، مقابل 280 جنيهًا للزنجبيل النيجيري.
وتعكس هذه الأسعار تفاوتًا بين الأصناف وفقًا للمنشأ وطبيعة المنتج، لكنها تظل مرتبطة بوقت رصدها وظروف البيع، ولا تعني بالضرورة ثباتها لدى جميع التجار أو المحال. 


البخور.. من التعطير إلى المعتقدات الشعبية

إلى جوار التوابل، يحتل البخور مساحة خاصة داخل عالم العطارة. فبينما يُقبل عليه البعض لتعطير المنازل والأماكن، تختلف أنواعه من حيث الرائحة والمصدر والجودة، وترتبط بعض أصنافه أيضًا بمعتقدات شعبية تتحدث عن الحسد والحماية و«فك العمل».


ومن الأسماء المتداولة في هذا السياق اللبان الذكر والجاوي والعود والمر والحرمل والسذاب، المعروف أيضًا باسم الفيجل. وتتنوع الروايات المحيطة بهذه المواد، كما تتعدد استخداماتها المتعارف عليها؛ فوجود مادة داخل محل عطارة لا يعني بالضرورة أنها مخصصة للسحر، ولا يثبت امتلاكها قدرة خارقة على إبطال أثره.


وتكمن المفارقة في أن المنتج الواحد قد يحمل معاني مختلفة لدى المشترين. فقد يشتري شخص البخور للاستمتاع برائحته، بينما يقبل عليه آخر اعتقادًا بارتباطه بغرض روحاني أو بممارسة شعبية معينة.
في هذه الحالة، لا تتغير المادة بالضرورة، وإنما يتغير الدافع وراء شرائها والمعنى الذي يمنحه لها المشتري.


ومن هنا، تبرز أهمية التمييز بين أنواع البخور التي تُباع لأغراض التعطير والاستخدامات المعروفة، وبين المنتجات التي يربطها بعض الزبائن بمعتقدات السحر والطلاسم. كما يتطلب فهم طبيعة هذه التجارة الاستماع إلى أصحاب المحال والتحقق من الأصناف المعروضة والطلب عليها فعليًا، بدلًا من التعامل مع كل الحكايات الشعبية باعتبارها حقائق ثابتة.


«أظافر الشيطان» والحيوانات المحنطة.. مقتنيات تثير الفضول

تمنح بعض المقتنيات غير المألوفة الحمزاوي الصغير وجهًا مختلفًا عن صورته التقليدية بوصفه سوقًا للتوابل والأعشاب. فإلى جانب البضائع المعتادة، ترد أسماء مثل «سن العفريت» و«أظافر الشيطان»، فضلًا عن البلح المكتوب عليه والريش وبعض الأجزاء الحيوانية أو المعدنية التي تظهر في روايات متداولة عن الموروث الشعبي والطلاسم.
كما تندرج الحيوانات المحنطة ضمن المقتنيات التي قد تستوقف الزائر وتدفعه إلى التساؤل عن طبيعتها وأسباب عرضها.


لكن غرابة الاسم أو شكل القطعة لا تكفي وحدها لتحديد أصلها أو الغرض من بيعها، كما لا تثبت أن جميع هذه المنتجات مرتبطة بالسحر أو تُشترى للغرض نفسه. فالتعرف إلى طبيعة كل مقتنى يتطلب التحقق من ماهيته واستخدامه الفعلي، والتمييز بين ما هو معروض بالفعل وما تتناقله الحكايات الشعبية بشأنه.


وبين ما تقع عليه العين وما يُروى عن المنتجات، تظل التفاصيل الدقيقة هي الفيصل في رسم صورة واقعية عن هذا الجانب من تجارة العطارة.

موسم رمضان.. حين تتغير حركة السوق

للعطارة مواسمها التي يتغير خلالها إيقاع البيع والشراء، ويأتي شهر رمضان في مقدمة الفترات التي تشهد اهتمامًا متزايدًا بمستلزمات المشروبات التقليدية والتوابل المستخدمة في إعداد الطعام، إلى جانب الياميش والأصناف المرتبطة بالمائدة الرمضانية.

لكن ارتفاع الطلب الموسمي لا يعني بالضرورة زيادة أسعار جميع المنتجات أو تحقيق الأصناف نفسها معدلات نمو متساوية في المبيعات؛ إذ تتأثر حركة السوق بتوافر البضائع وتكاليف شرائها وحجم الطلب، فضلًا عن الفروق بين البيع بالجملة والقطاعي.

ومن هنا، تبرز أهمية المقارنة بين المواسم لفهم حركة التجارة في الحمزاوي الصغير، من خلال رصد الأصناف التي يزداد الإقبال عليها قبل رمضان، والفروق بين مشتريات التجار والأفراد، ومدى انعكاس تغير الطلب على الأسعار.

بين رف العطار وحكايات الناس

في الحمزاوي الصغير، تتجاور التوابل المستخدمة في الطعام مع الأعشاب والبخور ومقتنيات تحمل أسماء غير مألوفة، لتتشكل صورة لسوق تتداخل فيه التجارة اليومية مع بعض ملامح الموروث الشعبي.

ولكل منتج طبيعته واستخداماته، ولكل نشاط تجاري حساباته، بينما تمنح المعتقدات الشعبية بعض المواد معاني تتجاوز وظائفها المعروفة.

لكن الفصل بين الحقيقة والحكاية يظل ضروريًا؛ فالمعتقد الشعبي ليس دليلًا علميًا، ووجود منتج داخل محل عطارة لا يثبت قدرته على فك السحر أو إبطال الحسد. كذلك، فإن تداول اسم منتج أو انتشار رواية بشأنه لا يغني عن التحقق من وجوده الفعلي وطبيعته واستخداماته.

وبين رائحة التوابل التي صنعت شهرة المكان، والمقتنيات التي تثير فضول الزوار، يظل الحمزاوي الصغير مساحة تتجاور فيها التجارة مع الحكايات، وتحتاج فيها الصورة الكاملة إلى الرصد الميداني والتحقق قبل تحويل الموروث المتداول إلى حقيقة صحفية.

الجريدة الرسمية