رئيس التحرير
عصام كامل

بصمة أكتوبر.. حين يتحول النصر إلى وعي وانتماء

18 حجم الخط

ماذا يمكن أن تعني ذكرى نصر أكتوبر المجيد لطالب وُلد بعد سنوات طويلة من تحقيقه؟ وكيف يمكن لحدثٍ تاريخي لم يعشه بطبيعة الحال أن يترك أثرًا حقيقيًا وعميقًا في وجدانه وسلوكه اليومي؟
هنا تحديدًا تبدأ الحكاية، فالأوطان العظيمة لا تورّث أبناءها مجرد وقائع وأحداث صامتة مدونة في سجلات الماضي، وإنما تورّثهم المعاني السامية والقيم النبيلة التي صنعت تلك الأحداث الخالدة، وليست كل الذكريات مجرد صفحات مطوية في كتب التاريخ، بل إن هناك محطات فارقة تظل حاضرة في وجدان الأجيال عبر الزمان، لأنها تحمل روحًا حية تتجاوز حدود الوقت والزمن.


إن 6 أكتوبر ليس مجرد يومٍ عابر في التقويم السنوي نكتفي فيه بالعطلات الرسمية، ولا مجرد فصلٍ دراسي يحفظه الطالب ليدخل به الامتحان ثم ينساه فور خروجه، بل هو حكاية إرادة، ودرس حقيقي في التضحية والفداء، ورسالة خالدة تؤكد أن الوطن حين يؤمن أبناؤه به وبقدراتهم، يصبح قادرًا على تجاوز أصعب التحديات وأعتى الظروف المعقدة مهما بلغت قسوتها.


ومن هذا المنطلق تتجلى بصمة أكتوبر، لا باعتبارها مجرد احتفاء بروتوكولي بذكرى وطنية عزيزة، وإنما باعتبارها فرصة تربوية سانحة لإعادة قراءة هذه الملحمة في عيون أبنائنا من طلاب التعليم قبل الجامعي، والبحث عن أثرها الملموس في وعيهم، وانتمائهم، وشعورهم بالمسؤولية تجاه مستقبل وطنهم الغالي..


إن طالب اليوم لم يعش لحظات الحرب العصيبة، ولم يشهد دقيقة العبور العظيم وسقوط الرهانات المستحيلة، لكنه قادر بلا شك على أن يتعلم من هذه الملحمة معنى الإرادة الصلبة والتركيز والتخطيط المحكم، وأن يدرك بوعي أن الإنجازات الكبرى في الحياة تبدأ بالإيمان بالهدف، وتتحقق بالإصرار والعمل الجاد والتكاتف المنظم..


وهنا يبرز الدور المحوري والمحرك للمؤسسة التعليمية والتربوية، إذ لا ينبغي للتعليم أن يكتفي بسرد ماذا حدث في أكتوبر، بل يتوجب عليه أن يساعد الطالب على استيعاب ماذا نتعلم من أكتوبر؟، أن يتعلم النشء أن الانتماء ليس شعارًا حماسيًا نردده في المناسبات الوطنية فقط، وإنما هو سلوك حضاري يومي يظهر في احترام المؤسسة التعليمية، والمحافظة على الممتلكات العامة، والالتزام بالقوانين، واحترام الآخرين، وإتقان الدراسة، والحرص على التفوق والابتكار، والمشاركة الإيجابية في خدمة المجتمع والنهوض به.


كما أن عليه أن يدرك أن الوطن لا يحتاج فقط إلى من يدافع عنه بالدماء في لحظات الخطر والتحدي، بل يحتاج بنفس القدر إلى من يبنيه بالعرق والعلم والتكنولوجيا في أوقات الاستقرار والرخاء، يحتاج إلى المعلم الذي يصنع العقول ويغرس القيم، والطبيب الذي يؤدي رسالته بإخلاص ورحمة، والمهندس الذي يتقن عمله ليبني المستقبل، والباحث الذي يقدم حلولًا مبتكرة لمشكلات مجتمعه، والطالب الذي يعي أن تحصيله العلمي اليوم هو ركيزة أساسية من قوة وطنه ومكانته بين الأمم غدًا.


إن أجمل ما يمكن أن نقدمه لأبنائنا في هذه الذكرى هو ألا نحولها إلى مناسبة شكلية تنتهي بانتهاء مراسم الاحتفال، بل إلى قيمة مستمرة تسكن أرواحهم وتوجه سلوكهم، فالانتماء الحقيقي يبدأ حين يشعر الطالب أن له دورًا فاعلًا في مجتمعه، وأن نجاحه الشخصي هو لبنة متينة في صرح بلاده.


بذلك تصبح المدرسة والمعهد مساحة حقيقية لصناعة الوعي، ويصبح المعلم شريكًا في بناء الوجدان، وتغدو الأسرة امتدادًا لهذا الدور الأصيل، لتتضافر جهود الجميع في خلق جيل يفتخر ويعتز بتاريخه، ويفهم حاضره، ويستعد بكل قوة وصبر لصناعة مستقبله المشرق.

إن بصمة أكتوبر التي نطمح لغرسها ليست مجرد صورة في كتاب، ولا شعارًا مكتوبًا، بل هي رسالة حية تقول لكل طالب: كن وفيًا لوطنك بعلمك، وانتمائك بعملك، واعتزازك بتاريخك، ومسؤوليتك عن مستقبلك، لقد ترك أبطال أكتوبر بصمتهم الخالدة بالتضحية والفداء، وجاء الدور اليوم على الأجيال الجديدة لتترك بصمتها بالعلم، والعمل، والإبداع، ليظل أكتوبر بصمة وطن ورسالة أمل تجددها الأجيال.

الجريدة الرسمية