ما حكم بيع سلع قاربت صلاحيتها على الانتهاء في عروض ترويجية؟ الإفتاء تجيب
ورد إلى دار الإفتاء المصرية سؤالا عن: ما حكم بيع السلع والبضائع والمنتجات التي قاربت صلاحيتها على الانتهاء، مع تقديم تخفيضات في الأسعار لجذب المشترين من خلالها، دون الإفصاح للمشتري أن سبب هذا التخفيض هو قرب انتهاء تاريخ الصلاحية المدون على السلع؟
التراضي بين الطرفين
وقالت دار الإفتاء: إن الأصل المقرر في المعاملات والبيوع هو الإباحة والجواز، ما دامَ قد تحقق فيها التراضي التام، وانتفى عنها التبخيس، واجتنِب فيها الغش والتدليس؛، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29].
قال العلَّامة الزَّركشيُّ في "البحر المحيط": [قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] وفي الحديث: «إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تراض»، وهذا يدل على أنَّ الرِّضا هو المعتبر في العقود] اهـ.
وأضافت دار الإفتاء أن موضوع بيع السلع التى قاربت صلاحيتها على الانتهاء تناوله الفقهاء قديمًا عند حديثهم عن طول مُكث السِّلعة عند البائع وما يترتب على ذلك من أحكام وخيارات للمشتري، حيث قرر المالكيَّةُ وجوب بيان قِدَم السِّلعة وطول بقائها عند البائع؛ صيانةً لعقد البيع من الغش والتدليس؛ لأنَّ رغبة الناس عادة تزيد في الجديد من السلع وتزهد في القديم.
قال العلَّامة عليش المالكيُّ في "منح الجليل شرح مختصر خليل": [(و) وجب بيان (طول زمان) إقامة المبيع عنده لرغبة النَّاس في الطَريِّ دون العتيق] اهـ.
وقال أيضًا: [قال ابن رشد: فإن باع مرابحة أو مساومة بعد الطول ولم يُبَيِّن، فهو غِشٌّ، يُخَيَّر المبتاع في القيام، وَيَغْرَم الأقلَّ من الثَّمن أو القيمة في الفوات. عياض: من الدُّلْسَة في بيع المساومة أن تكون السِّلعة قديمة فيدخلها في السوق؛ ليري أنَّها طَرية مجلوبة، ومنها أن يبيع في التركة ما ليس منها، وكذا إظهاره للمشتري أنَّها طرية وإن لم يدخلها السوق، ومنه إدخال بعض أهل السوق بعض ما بحانوته للنداء عليه كوارد على السوق] اهـ.
ستر العيب عن المشتري
وتابعت دار الإفتاء أنه في عصرنا الحالي، ومع تطور وسائل حفظ السلع وتخزينها، برزت ملامح استهلاكية جديدة أدَّت إلى استحداث معايير منضبطة للحكم على سلامة السِّلع والمنتجات، وأصبح يُدوَّن على السِّلع ما يُعرف بـ"تاريخ الصلاحيَّة"، وهو المعيار المعاصر الذي ينفي الغِشَّ والتدليس عن المعاملة؛ لكونه بديلًا دقيقًا ومقننًا عما اشترطه الفقهاء قديمًا من بيان زمن مكث السِّلعة وقدمها.
وعلى ذلك: فإنَّ قُرب انتهاء مدة الصلاحيَّة لا يمنع بذاته من بيع المنتج وتداوله، ما دام صالحًا للاستهلاك، ولا يعد ذلك غشا طالما أن تاريخ الصلاحية مدون بوضوح للمشتري.
وأوضحت دار الإفتاء أن الحط من السعر بخفضه في هذه الحالة فهو تصرف جائز ومشروع؛ بل هو من الوسائل الترويجية الفاعلة والوسائل التسويقيَّة العادلة؛ ليكون الثَّمن متناسبًا مع القيمة الماليَّة للمنتج، والتي تنخفض بطبيعتها باقتراب نهاية مدة صلاحيته في عرف الأسواق والبيئات التجاريَّة المعاصرة.
وأشارت دار الإفتاء إلى أنه ينبغي التفريق بين العروض الترويجية الحقيقية وبين العروض الترويجية الصورية التي يتعمد البائع فيها حجب معرفة المشتري قرب انتهاء تاريخ صلاحيَّة المنتج بإخفاء تاريخ الصلاحيَّة أو طمسه أو تغييره مع لجوئه إلى التخفيض في سعره؛ ليوقع المشتري في التلبيس والغِشِّ والتدليس، ويوهمه بأنَّ الخصم من السعر محض ميزة تسويقيَّة، في حين أنَّ الواقع على خلاف هذا، وهو في هذا يعتمد على أنَّ الأصل في المعقود عليه السلامة.
مطلق البيع يقتضي سلامة المبيع
قال العلَّامة ابن مودود الحنفي في "الاختيار لتعليل المختار" (2/ 18، ط. مطبعة الحلبي): [(مطلق البيع يقتضي سلامة المبيع)؛ لأنَّ الأصل هو السلامة، وهو وصف مطلوب مرغوب عادة، والمطلوب عرفًا كالمشروط نصًّا] اهـ.
وهو ما يوجب ضبط هذه المعاملة ببعض شروط وقيود تمنع من وقوع الغِشِّ والتدليس فيها، وهي كما يلي:
الشرط الأول: أن تكون السِّلعة في ذاتها سليمة تمامًا، وصالحة للاستهلاك، وخالية من أيِّ ضَرر يمسُّ صحة المستهلك أو سلامته؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 4].
الشرط الثاني: ألَّا يتضمن العرض الترويجيُّ أيَّ تغيير وتلاعب في تاريخ الصلاحيَّة، أو إخفاء له بطريقة تضلل المشتري؛ لما رواه مسلم من حديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا».
قال الإمام ابن هُبَيْرَة في "الإفصاح عن معاني الصحاح" (8/ 94، ط. دار الوطن): [هذا تحذير من جزء الغِشِّ وجملته] اهـ.
الشرط الثالث: أن يلتزم البائع بالصدق والبيان، بوضع تاريخ الصلاحيَّة واضحًا جليًّا على السِّلع والمنتجات دون مواربة؛ لما رواه البخاري ومسلم عن حَكيم بن حزام رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» فإن أخفى البائع حقيقة الأمر فدلس على المشتري، ثبت للمشتري خيار رد المبيع وأخذ ما دفعه.
حيث ذهب فقهاء المذاهب الأربعة إلى وجوب الإفصاح عن كل ما يُكْرَه في المبيع وتحريم كتمانه عن المشتري.








