ما المراد بالاعتداء في الطهور والدعاء في حديث النبي، ولماذا نهى عنه؟
ما المراد بالاعتداء في الطهور والدعاء في حديث النبي ونهيه عن ذلك؟، ورد سؤال إلى دار الإفتاء المصرية يسأل صاحبه عن ما المراد بالاعتداء في الطهور والدعاء الوارد في حديث النبي عليه السلام: «إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطهور والدعاء»؟ وما حده عند الفقهاء؟
وقالت دار الإفتاء في ردها على السؤال أنه ورد عن عبد الله بن مُغَفَّلٍ رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطهور والدعاء » رواه أبو داود في "السنن"؛ قال العلامة علي القاري في "مرقاة المفاتيح": [والاعتداء في الطهور استعماله فوق الحاجة، والمبالغة في تحرِّي طهوريته حتى يفضي إلى الوساوس] اهـ.

معنى الاعتداء في الطهور
والاعتداء في الطهور: الإكثار من صبِّ الماء على الأعضاء دون الحاجة وفوق حدِّ الاعتدال؛ فهو إسرافٌ منهيٌّ عنه شرعًا، بعموم النصوص الشرعية الواردة في النهي عن الإسراف بصفة عامة، والتي منها قوله عزَّ وجل: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31].
وقد ورد النهي عن الإسراف في استعمال الماء في الوضوء بصفة خاصة؛ من ذلك: ما رواه الإمام أحمد في "مسنده" وابن ماجه في "سننه" عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرَّ بسعدٍ وهو يتوضَّأ، فقال: «مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ؟!» قال: أفي الوضوء سرف؟! قال: «نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ».
وروى أبو داود والنسائي وابن ماجه في "السنن" أَنَّ أَعرابِيًّا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسأله عن الوضوء، فأراه الوضوءَ ثلاثًا ثلاثًا، ثمَّ قال: «هَكذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ».
قال العلامة المباركفوري في "تحفة الأحوذي": [والحديث يدل على كراهية الإسراف في الماء للوضوء، وقد أجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء ولو على شاطئ النهر] اهـ.
فكلُّ هذه النصوص وغيرها تقرِّر فضيلة الاقتصاد في استخدام الماء، وتؤكِّد على النهي عن الاعتداء في الطهور ولو في أمر العبادة كالوضوء والغسل.
ومن الفقهاء من أوضح أنَّ الاعتداء في الطهور هو مجاوزة الثلاث غسلات للعضو؛ قال العلامة الشوكاني في "نيل الأوطار" -عند تعليقه على الحديث السابق-: [وفي الحديث دليل على أنَّ مجاوزة الثَّلاث الغسلات من الاعتداء في الطهور] اهـ.
وقال العلامة الشرواني في "حاشيته على تحفة المحتاج": [وتكره الزيادة على الثَّلاث، وصب ماء يزيد على ما يكفيه عادة في كل مرة] اهـ.
والاعتداء في الطهور يتحقق بأحد أمرين:
الأول: الزيادة على غسل الأعضاء أكثر من ثلاث مرات دون موجب.
والثاني: استعمال كمية من الماء أزيد ممَّا يكفي؛ حيث روى الشيخان في "صحيحهما" واللفظ لمسلم «أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم كان يتوضَّأ بالمُدِّ، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد»؛ والصاع كيل يسع أربعة أمداد، والمد عند الحنفية رطلان بالعراقي، أي ما يساوي 812.5 جرامًا، وعند الجمهور رطل وثلث بالعراقي أي ما يعادل 510 جرامًا.
وتنصح دار الإفتاء المصرية بالمحافظة على نعمة الماء، وترشيد الاستهلاك في استخدامه ولو لأمر العبادة، كالوضوء والغُسْل؛ لما له من ضرورة حتمية في الحياة.
الاعتداء في الدعاء
أما الاعتداء في الدعاء فمعناه مجاوزة الحد فيه، ويكون بسؤال الله تعالى ما لا يجوز شرعًا من الإثم وقطيعة الرحم.. أو عادة بما يخالف سنن الله في هذا الكون، وقيل: رفع الصوت فيه والصياح به، لأن الله تعالى يقول: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ {الأعراف:55}.
وقيل: سؤال منازل الأنبياء، وقيل: هو التكلف في السجع.. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: فالاعتداء في الدعاء تارة بأن يسأل ما لا يجوز له سؤاله من المعونة على المحرمات، وتارة يسأل ما لا يفعله الله مثل أن يسأل تخليده إلى يوم القيامة، أو يسأله أن يرفع عنه لوازم البشرية، من الحاجة إلى الطعام والشراب، ويسأله بأن يطلعه على غيبه، أو أن يجعله من المعصومين، أو يهب له ولدًا من غير زوجة، ونحو ذلك مما سؤاله اعتداء لا يحبه الله، ولا يحب سائله.
والإثم المترتب على الاعتداء في الدعاء إنما هو في حق من يفعل ذلك متعمدا، وأما من يعتدي في الدعاء وهو لا يعرف أنه يعتدي فيه فنرجو أن لا يكون عليه إثم، فقد دلت الشريعة على أن المخطئ معذور، قال تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا {الأحزاب:5}.
وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. رواه ابن ماجه.
وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ قول الله تعالى: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا { البقرة: 276}. قال: قال الله: قد فعلت.








