رئيس التحرير
عصام كامل

بعد انتشارها بشكل واسع، الإفتاء توضح الحكم الشرعي لإشغالات الطرق والميادين

إشغالات الطريق
إشغالات الطريق
18 حجم الخط

أجابت دار الإفتاء المصرية عبر موقعها على فيس بوك عن سؤال ما الحكم الشرعي للإشغالات المنتشرة في الطرق والميادين العامة ؟

وقالت دار الإفتاء إنه لا يجوز شرعًا إشغال شوارع الناس ومرافقهم وأماكن تنقلاتهم وما يترفقون به بأي نوع من الإشغالات؛ لما في ذلك من الاعتداء على حق الطريق، والتضييق على عموم الناس ومجموعهم. 

وتابعت دار الإفتاء أنه يُستثنى من ذلك ما كان بترخيص من السلطة المختصة؛ كالأسواق العامة التي تخصص لهَا بعض أماكن أو الأوقات، وكذا سد الطريق لحاجة الناس إليه عند صلاة الجمعة بشرط أن يُتْرَكَ جزءٌ منه للمارَّة، والضرورات تقدَّر بقدرها، والله تعالى طَيِّبٌ لا يُتَقَرَّب إليه بإيذاء عباده، والخير لا يُتَوَصَّل إليه بالشر.

إدارة إشغال الطريق – الموقع الرسمى لحى المنتزه اول
إشغالات الطريق 

آداب الطريق في الإسلام


وأوضحت دار الإفتاء أن الله تعالى امتن على الإنسان بأن جعل له الأرضَ سهلةً منبسطةً واسعةَ المسالك والطرقات، وسخر له الانتفاع بها مع صلابة خلقتها، وأمره بالمشي في أطرافها والسعي في جوانبها؛ تحصيلًا لمصالحه وأمور معاشه، كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15]، وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا ۞ لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ [نوح: 19-20].

وقد جاء المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بتمام مكارم الأخلاق وكمال محاسن الخصال، وكان من مظاهر ذلك أن وضع قواعد وإرشادات لآداب الطريق وأماكن مرور الناس تسمو بصاحبها إلى معاني الإنسانية وعظمة الإسلام، بينتها السنة النبوية الشريفة وساق المحدِّثون أحاديثها في دواوين السنة تحت أبواب: "باب الجلوس في الطرقات"، "باب النهي عن الجلوس في الطرقات وإعطاء الطريق حقه"، "باب أفنية الدور والجلوس فيها وعلى الصعدات ويفعل في الطرق ما لا يتأذى المسلمون به"، "باب الآبار على الطرق إذا لم يتأذَّ بها"، وتطرقت أيضًا كتب الحِسبة إلى أحكام الطرق وآدابها.

روى الشيخان البخاريُّ ومسلمٌ في "صحيحيهما" عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ». فقالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بدٌّ نتحدث فيها، فقال: «إِذْ أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ». قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: «غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ».

وأخرج الإمام أحمد في "المسند" عن سهل بن معاذ الجهني، عن أبيه، قال: نزلنا على حصن سنان بأرض الروم مع عبد الله بن عبد الملك، فضيَّق الناسُ المنازلَ، وقطعوا الطريقَ، فقال معاذ رضى الله عنه: أيها الناس، إنا غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غزوة كذا وكذا، فضيَّق الناسُ الطريقَ، فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم مناديًا فنادى: «مَنْ ضَيَّقَ مَنْزِلًا أَوْ قَطَعَ طَرِيقًا فَلَا جِهَادَ لَهُ».

وأخرج الطبراني في "المعجم الكبير" عن حذيفة بن أسيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ آذَى الْمُسْلِمِينَ فِي طُرُقِهِمْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ».

وروى ابن شاهين في "الترغيب في فضائل الأعمال وثواب ذلك" عن أبي بَرْزَة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، دُلَّني على عمل يدخلني الجنة. قال: «انْظُرْ مَا يُؤْذِي النَّاسَ فِي طُرُقِهِمْ فَاعْزِلْهُ عَنْهُمْ».

حكم الانتفاع بالطرق العامة

وقالت دار الإفتاء إن الطرق العامة هي المسالك والشوارع والدروب المخصصة لاستعمال عامة الناس ومرورهم فيها بحرية في أي وقت، وهي من باب الأحباس على عموم الخلق، والانتفاع بها من باب الحقوق العامة أو الحقوق المشتركة.

قال الإمام ابن رشد المالكي في "البيان والتحصيل": [الطريق حق لجميع المسلمين كالحبس] اهـ.

وقال الإمام النووي في "الروضة": [بقاع الأرض إما مملوكة، وإما محبوسة على الحقوق العامة؛ كالشوارع والمساجد والمقابر والرباطات، وإما منفكة عن الحقوق العامة والخاصة، وهي الموات] اهـ.

حكم إشغالات الطريق 

وتابعت دار الإفتاء أن الفقهاء بنوا على أمر الشرع الشريف بحماية الحقوق العامة ومراعاة آداب الطرق المسْلُوكة؛ فمنعوا من أي صورة تشغل شوارع الناس ومرافقهم وأماكن تنقلاتهم أو تُخِلُّ بمقتضيات التنظيم والأمن العام وحركة المرور والصحة.

ويدخل في ذلك: إشغال الطريق العام ببناء الدكاكين والمحلات التجارية ووضع الأكشاك والتخاشيب عليه وما شابه، وغرس الأشجار وبناء المساجد في نهر الطريق، ووضع حاملات للبضائع ومظلات –تندات- وفترينات ومقاعد وصناديق وما شابه ذلك، وإلقاء القمامة والنفايات وتجميعها في تراكمات مؤذية في غير موضعها المخصص لها، وكذا المنقولات التي تترك خارج المحلات أو المصانع أو المخازن أو المنازل، والمعدات والتجهيزات لإقامة الحفلات والمناسبات والإعلانات، خاصة إذا كانت لمدد طويلة وترتب على ذلك سدها أو تعطيل حركة المرور من خلالها.

شرطان لإشغال الطريق العام

يستخلص من كلام الفقهاء أنه يُشترط في أي صورة من صور إشغال الطريق العام شرطان:
أولهما: ألا يترتب على ذلك حدوث ضرر بعموم الناس وبطريقهم.

وثانيهما: موافقة السلطة المختصة.

وما ذهب إليه طائفة من الفقهاء من عدم اشتراط إذن ولي الأمر في ذلك فمشروط بكون بقاء الطريق متسعةً نافذةً للمرور بعد وجود الإشغالات، فضلًا عن اختلاف واقع الطرق وأهميتها وتنظيمها في هذا العصر على اختلاف أنواعها ومقاصدها: رئيسية أو ثانوية أو محلية عن واقعها في العصور الماضية.

الجريدة الرسمية