قرار أنقذ بني أمية، لماذا تجاوز سليمان بن عبد الملك أشقاءه ونقل الخلافة لـ عمر بن عبد العزيز؟
في مثل هذا اليوم من عام 717 ميلادية أُسدل الستار على واحدة من أكثر المراحل حسمًا في تاريخ الدولة الأموية؛ حيث توفي الخليفة السابع سليمان بن عبد الملك في مرابط جنده بـ "دابق" بالقرب من حلب، وهو لم يتجاوز التاسعة والأربعين من عمره، بعد حكم استمر نحو سنتين وتسعة أشهر فقط. لكن هذه الفترة القصيرة كانت كفيلة بإحداث زلزال سياسي وعسكري؛ بدءًا من الملحمة الكبرى لـ "حصار القسطنطينية"، وصولًا إلى خطوته الاستثنائية التي غيرت مجرى التاريخ الإسلامي بتولية عمر بن عبد العزيز الخلافة من بعده.
شخصية الخليفة المثير للجدل
ولد سليمان بن عبد الملك في المدينة المنورة وتنقل بين الشام وفلسطين، حيث تولى ولاية فلسطين لأبيه عبد الملك بن مروان وشقيقه الوليد بن عبد الملك، وتأسست على يديه مدينة "الرملة" وتشييد جامعها الأبيض الشهير.
كان سليمان شخصية ممتلئة بالتناقضات الحادة التي استهوت المؤرخين؛ فقد عُرف عنه الفصاحة، والعدل في رد المظالم، وإطلاق سراح ألوف المعتقلين الذين أودعهم الحجاج بن يوسف الثقفي في السجون، وإعادة الصلاة لمواقيتها. وفي المقابل، عُرف بشدته وانتقامه القاسي من القادة الكبار الذين وقفوا ضده في صراع ولاية العهد مع شقيقه الوليد وعلى رأسهم قتيبة بن مسلم الباهلي ومحمد بن القاسم الثقفي وموسى بن نصير.
حلم القسطنطينية.. الحشد الأعظم في تاريخ بني أمية
كان الهدف الأكبر لسليمان بن عبد الملك هو تحقيق الحلم الإسلامي القديم بفتح عاصمة البيزنطيين "القسطنطينية". ولأجل هذه المعركة، عبّأ سليمان إمكانات الدولة الأموية بشكل غير مسبوق وجهز جيشًا بريًا ضخمًا زاد عن 120 ألف مقاتل بقيادة شقيقه الفارس مسلمة بن عبد الملك، وسير أسطولًا بحريًا ضخمًا يتألف من نحو 1800 سفينة حربية حاصرت المدينة من البحر.
وانتقل سليمان بنفسه إلى منطقة "دابق" بشمال حلب، وأقسم ألا يعود إلى دمشق حتى يفتح مسلمة القسطنطينية أو يموت دون ذلك، لتحول دابق إلى مقره الإداري والعسكري لقيادة الدولة وإمداد المحاصرين، لكن الحصار واجه ظروفًا مناخية واستراتيجية قاسية شتاء قارص، والنار الإغريقية، وتحالف البيزنطيين مع البلغار، مما أنهك الجيش الأموي بمرور الأشهر.
عبء الاستنزاف في المعارك الكبرى
تُعد تجربة حصار القسطنطينية نموذجًا تاريخيًا مبكرًا لما يُعرف اليوم بـ "حروب الاستنزاف ذات التكلفة العالية"؛ حيث أدت الرغبة في الحسم العسكري المباشر دون احتساب كلفة الإمداد وحروب الشتاء إلى إنهاك الموارد. وهو ذات الدرس الذي نراه اليوم في النزاعات الدولية المعاصرة؛ حيث تصاب القوى الكبرى بالإنهاك الاقتصادي والعسكري نتيجة فتح جبهات استنزاف طويلة الأجل تفتقر إلى الأفق السياسي الحاسم.
وحسب خبراء، القرار الأهم لسليمان قبل احتضاره في دابق كان الاستماع لنصيحة العالم رجاء بن حيوة، بتجاوز أبنائه وإخوته، وتولية ابن عمهم عمر بن عبد العزيز؛ وهو ما يعرف في العلوم السياسية الحديثة بـ "إعادة ضبط المصنع" للهيكل التنفيذي للدولة قبل الانهيار. فالقرار هو الذي أنقذ الدولة الأموية من صراع داخلي مدمّر وأسس لمرحلة عدل واستقرار استثنائية، مما يؤكد أن سلامة قرار الاستخلاف والنقل السلس للسلطة هي الضامن الوحيد لبقاء الدول في لحظات الأزمات الكبرى.
وفاة الخليفة.. وصية غيرت وجه التاريخ
في شهر صفر سنة 99 هـ، مرض سليمان بن عبد الملك مرضًا شديدًا وهو في مرابطه بدابق. ولما شعر بدنو أجله، أملى وصيته الشهيرة برعاية مستشاره الروحي رجاء بن حيوة، واستخلف عمر بن عبد العزيز ومن بعده شقيقه يزيد بن عبد الملك، وتوفي ودُفن في دابق، لتنتهي بوفاته مرحلة التوسع الهجومي الأموي الكبير على جبهة الروم، وليبدأ عهد جديد صب فيه عمر بن عبد العزيز كل اهتمامه على الإصلاح الداخلي، ورد المظالم، وسحب الجيش الأموي المحاصر للقسطنطينية لحقن دماء المسلمين.
