طبيب القلوب وسلطان العارفين، كيف صاغ جلال الدين الرومي دستور المحبة الإنسانية؟
في لحظة تاريخية فارقة من القرن الثالث عشر الميلادي، أطل على العالم الإسلامي رجل لم تكن كلماته مجرد أبيات شعرية أو دروس في الفقه، بل كانت زلزالًا روحيًّا تجاوز حدود الزمن والجغرافيا. جلال الدين الرومي، الشخصية الموسوعية التي جمعت بين جدارة الفقيه، ودقة القانوني، وعمق الصوفي والمعرفة، والذي أصبح رمزًا للبحث عن الحق والجمال، وخلد نظرياته في طريقة المولوية، المدرسة الوجدانية التي تهز العالم حتى اليوم.
من هو جلال الدين الرومي ؟
ولد محمد بن محمد بن حسين البكري، الشهير بـ جلال الدين الرومي، عام 1207 ميلادية في مدينة بلخ الواقعة في إقليم خراسان أفغانستان حاليًا. ونشأ في بيت علم ودين؛ فوالده لقب بسلطان العلماء، وكان فقيهًا ومتصوفًا مرموقًا ينتهي نسبه إلى الخليفة أبي بكر الصديق.
ولم تكن نشأته مستقرة في مكان واحد؛ إذ اضطرت العائلة للفرار غربًا هربًا من زحف التتار وغزوات المغول القاسية التي دمرت حواضر خراسان، وطاف الصبي رفقة والده في رحلة شاقة شملت نيسابور، بغداد، مكة المكرمة، والشام، قبل أن تستقر العائلة أخيرًا في مدينة قونية بعاصمة الدولة السلجوقية في الأناضول، وهي المدينة التي منحته لقبه الشهير الرومي نسبة لبلاد الروم.. الأناضول لاحقا.
رحلة العلم والتلمذة.. من جلباب الفقيه إلى سماء العرفان
تلقى الرومي علومه الأولى على يد والده سلطان العلماء، فنشأ شغوفًا بالحفظ والمطالعة، مستوعبًا علوم الشريعة، الفقه، واللغة العربية والبارسية، وعقب وفاة والده، واصل الرومي تعليمه وتعمقه الروحي على يد برهان الدين محقق الترمذي، الذي كان أحد أبرز مريدي والده، حيث وجهه لنيل العلوم المتقدمة في أهم المراكز العلمية بذالك العصر.
وسافر الرومي إلى حلب ودمشق ليتعمق في الفقه الحنفي، والأصول، والقانون، والحديث، حتى غدا في سن مبكرة مرجعًا للفتوى، ومدرسًا في أربع مدارس فقهية في قونية، يحف به مئات الطلاب والفقهاء. غير أن التحول الأعظم في حياته العلمية والروحية حدث عام 1244 ميلادية حين التقى في قونية بـ شمس التبريزي، الدرويش الجوال الذي قلب حياة الرومي رأسًا على عقب؛ إذ حوله من فقيه أكاديمي يعتمد على النصوص والمجادلات الكلامية إلى صوفي عاشق يرى الحقائق بعين القلب والشهود.
تأسيس الطريقة المولوية.. فلسفة الدوران والوجد
تأسست المدرسة الصوفية المولوية على يد جلال الدين الرومي، ووُضعت قواعدها لاحقًا بواسطة نجله سلطان، واعتمدت هذه المدرسة على اتخاذ الموسيقى والرقص الدائري المعروف بالرقص المولوية أو الدوران وسيلة للترامي في حب الله والتحرر من قيود الجسد المادي.
وترى المولوية أن حركة الدوران تحاكي حركة الكواكب حول الشمس وحركة الكائنات حول مركز الوجود الإلهي، حيث يرفع المولوية يدهم اليمنى نحو السماء لتلقي الفيض الإلهي، ويمدون اليسرى نحو الأرض لتوزيع النفحات والمحبة على العالم، متجردين من الغرور والأنا.
كرامات مولانا وأثره في عصره
لم يمارس الرومي الكرامات بمعناها الخارق للعادة والمألوف كإحياء الموتى أو المشي على الماء، بل كانت كرامته الكبرى في قدرته الفائقة على النفوذ إلى أرواح أتباعه، وحل معضلات النفوس، وتحويل العتاة والعصاة إلى عشاق للحق، ويرصد كتاب مناقب العارفين لشمس الدين الأفلاكي أن الرومي كان يمتلك حسًا روحيًا يجعله يطلع على دواخل مريديه وينطق بما يسكن قلوبهم قبل أن يتكلموا.
وكان أثر الرومي في عصره كبيرًا جدًا؛ إذ كان ملجأً للحكام السلاجقة، وعامة الشعب، والتجار، وحتى غير المسلمين من المسيحيين واليهود في قونية الذين وجدوا في كلماته ورحمته ملاذًا إنسانيًا يتجاوز التعصب والطائفية.
مراحل قوة وضعف المدرسة المولوية.. وهل تدرس في الأزهر؟
بلغت الطريقة المولوية أوج قوتها ونفوذها خلال العصر العثماني؛ إذ حظيت بدعم سلاطين آل عثمان، وأصبح للمولوية حضور بارز في أغلب الحواضر الإسلامية من قونية لإسطنبول، مرورًا بدمشق، حلب، والقاهرة.
ومع ذلك تعرضت المدرسة للانحسار الشديد في بدايات القرن العشرين، وتحديدًا عقب قرار جمهورية تركيا الحديثة عام 1925 بإغلاق التكايا والطرق الصوفية. لكنها عادت للتألق في العقود الأخيرة كإرث ثقافي وروحي إنساني حظي باهتمام جامعي وفكري عالمي.
ولا تُدرس الطريقة المولوية كطريقة صوفية عملية في المناهج الرسمية للأزهر الشريف، لكن تراث جلال الدين الرومي وآراءه الفقهية والصوفية حاضر بكثافة في قسم الفلسفة الإسلامية والتصوف بكليات أصول الدين واللغة العربية بالجامعة، ويدرس كتابه الفذ المثنوي كمرجع أساسي للأدب الصوفي الإسلامي.
النهاية والوفاة.. رحلة العرس الإلهي
فاضت روح جلال الدين الرومي في 17 ديسمبر 1273 ميلادية في مدينة قونية، وهو اليوم الذي يطلق عليه مريدوه اسم شب عروس أو ليلة الزفاف، إشارة إلى انتقال روحه للاتحاد بمحبوبه الأعلى.
وشهدت جنازته خروجًا استثنائيًا لم تشهده قونية من قبل، حيث مشى فيها المسلمون والمسحيون واليهود معًا، كل يبكيه بكتابه ودينه، ودفن الرومي في قونية بجوار والده، وقبته الخضراء الشهيرة التي باتت اليوم متحفًا ومزارًا يزحف عليه الملايين من كل بقاع الأرض للاستزادة من نفحات معلم العشق.
