مذبحة الأشجار الثالثة.. من الجاني؟
"إنكم تدمرون الأشجار، وتجعلون المناخ أشد قسوة، وتدفعون الأرض يومًا بعد يوم لتصبح أكثر قبحًا وتصحرًا.. كل ذلك لأن الإنسان لا يمتلك العقل ولا القلب للحفاظ على ما منحه إياه الخالق"..
لم يكن الأديب الروسي تشيكوف يتحدث عن قاهرة المعز، لكن كلماته تتردد اليوم كصدى حزين في شوارع المحروسة، وهي تشهد ما يمكن تسميته تاريخيًا بـ مذبحة الأشجار الثالثة، فالتاريخ المصري يخبرنا أن القاهرة قاست مرارة تجريف الخضرة مرتين من قبل، وكأن قدر هذه العاصمة أن تدفع أشجارها ضريبة التحولات الكبرى.
وقعت مذبحة الأشجار الأولى مع الحملة الفرنسية على مصر، قبل 225 عامًا حين امتدت فؤوس الاحتلال لتطال رئة العاصمة وتدمر جمالها؛ حيث جرى قطع الأشجار الكثيفة والنخيل من جميع البساتين والحدائق الكائنة في القاهرة وكان النصيب الأكبر لمناطق مصر القديمة والروضة، وأُحرقت أخشابها وكانت حجة الاحتلال لاستخدامها في الوقود لمعيشة الجنود وأيضا بناء التحصينات وحماية ثكنات الاحتلال.
أما مذبحة الاشجار الثانية، فجاءت في عهد محمد علي باشا، بداية من عام 1805 ولكن هذه المرة تحت لافتة التصنيع العسكري، فمن أجل تأسيس أسطول بحري قوي وبناء ترسانة السفن في بولاق، أُرسل العمال لاجتثاث الأشجار العتيقة وقطع أشجار التوت والنبق لتغذية ورش صناعة السفن، وأيضا للحاجة إلى الفحم لصناعة البارود.
واليوم، نعيش ومن سنوات وقائع مذبحة الاشجار الثالثة، وهذه المرة لم تذبح الأشجار العتيقة لبناء أسطول أو متاريس، بل هي بتر قاسٍ لجزء من ذاكرة القاهرة البصرية والروحية تحت دعاوى التطوير وتوسعة المحاور المرورية، لغة الأرقام هنا لا تعرف العاطفة..
فعلى سبيل المثال بين عامي 2017 و2020 فقط، فقدت محافظة القاهرة نحو 910 آلاف متر مربع من مساحاتها الخضراء. وتراجع نصيب الفرد من الخضرة إلى أقل من 0.74 متر مربع، وهو مستوى مفزع يهدد الصحة العامة إذا ما قورن بالحد الأدنى لمنظمة الصحة العالمية. وفي حي مصر الجديدة وحده، أُبيدت مساحات خضراء توازي أكثر من 50 ملعبًا لكرة القدم في شهور.
ولعل الأمتار الأخيرة من مسار هذه المذبحة المستمرة تُكتب فصولها الآن بقسوة في حي المهندسين، وتحديدًا في شارع جامعة الدول العربية، هناك، لم تكتفِ البلدوزرات بابتلاع الأرصفة، بل امتدت لمحو ما تبقى من الجزيرة الوسطى الخضراء لصالح ما قيل أنه توسعات مرورية، استيقظ السكان على مشهد إعدام ممنهج للأشجار التي لطالما مثلت درعًا يحميهم من العوادم والحرارة، ليقفوا بحسرة أمام ذكرياتهم التي تُقتلع من جذورها.
لقد اصطدمت المبررات الرسمية لحل أزمات الزحام بحائط الواقع البيئي؛ فالتوسع العشوائي في الكتل الخرسانية أحال القاهرة إلى واحدة من أكثر مدن العالم تضررًا، لترتفع درجات الحرارة في بعض المناطق المكتظة بمقدار 6 درجات مئوية، أما تبرير قطع الأشجار بزراعة شتلات جديدة فهو يتجاهل أبسط القواعد البيئية؛ فالشتلة الصغيرة تحتاج لعقود طويلة لتعويض التظليل الكثيف والقدرة الهائلة على امتصاص الملوثات التي كانت توفرها شجرة معمرة تجاوز عمرها القرن..
وأيضا تبرير ذبح الأشجار بأنه من أجل الطرق هناك حالات كحديقة الميرلاند ونسف الحديقة أمام مستشفي الشفاء بالعباسية، وغيرها من الحدائق قطعت اشجارها لتقام مكانها كافيهات ومطاعم شهيرة هذا في القاهرة فقط، وفي الاسكندرية على سبيل المثال ما حدث لحدائق انطنيويادس والمنتزه وغيرها.
إن التعدي المستمر على المساحات الخضراء هو تعدٍ مباشر على صحة الإنسان وحقه في هواء نقي، قبل التعدي على جمال وتراث المدينة، نحن لا نبكي فقط على جمال العاصمة الذي يتشوه ويتلاشى، بل ندق ناقوس الخطر دفاعًا عن رئاتنا ورئات أطفالنا التي تختنق وسط غابات الخرسانة.
الأشجار هي الحراس الصامتون للمدينة، وملاذانا الأخير لتنفس نسمة هواء.. مجردة.. هواء.. هواء.. هواء، وبدونها، تتحول القاهرة إلى سجن خرساني يضيق بأنفاس ساكنيه.
بلدية اسطنبول في تركيا تزرع في العام متوسط 20 مليون زهرة تيوليب ومدن كثيرة تفخر بأشجارها وزهورها.. تيودورروزفلت الذي تمتلك بلاده 228 مليار شجرة بمعدل 748 شجرة لكل مواطن يقول "إن الأمة التي تدمر غطاءها الأخضر وتربتها، إنما تدمر نفسها؛ فالأشجار هي رئات أرضنا، تنقي هواءنا، وتعطي قوة وحياة جديدة لشعبنا".. نرجوكم..أتركوا لنا فقط مابقى من أشجار وذكريات!

