"ذا جارديان" البريطانية تحققت من صحة الفيديو.. مقاطع مصورة ترصد استهداف طفل فلسطيني بقنبلة انزلاقية أطلقتها مسيرة إسرائيلية.. وخبير دولي: القنبلة كانت قابلة للتوجيه
سماء غزة ليست كباقي سماوات الأرض، التي تحمل معها الخير والنماء لأطفال في عمر الزهور، بعد أن حولتها آلة القتل الإسرائيلية إلى ساحة للمسيرات وإلقاء القنابل الانزلاقية. وأطفال غزة ليسوا كباقي أطفال الأرض، بعد أن باتوا هدفا لقوات الاحتلال.
ومن بين آلاف الحكايات التي خلفتها الحرب، تعيد قصة الطفل الفلسطيني محمد الزناتي إلى الأذهان صورة الطفل محمد الدرة، الذي استشهد قبل 26 عاما، في 30 سبتمبر 2000، بعدما احتمى بوالده من رصاص الاحتلال. مشهدان تفصل بينهما سنوات طويلة، لكنهما يلتقيان في مأساة واحدة وكأن عقارب الساعة ما زالت على حالها: طفل فلسطيني يجد نفسه في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية، بينما تتحول براءته إلى شاهد آخر على دموية الاحتلال، بحسب تحقيق موثق بالصوت والصورة، نشرته جريدة "ذا جارديان" البريطانية اليوم الجمعة.
تقول الجريدة: يوم الثلاثاء 15 سبتمبر، كان الطفل الفلسطيني محمد عبد الزناتي في طريقه عائدا من المدرسة إلى منزله عبر ركام شارع صلاح خلف، شمال مدينة غزة، حين توقف عند متجر كان قد تجمع فيه عدد من زملائه وأصدقائه. وقبيل الساعة الثالثة والنصف عصرا، دوى انفجار مزق سكون المكان، قبل أن يهرع محمد -مع رفقائه- إلى الشارع لاستطلاع ما حدث. وعندما زال الدخان والغبار، شاهدوا رجلا فلسطينيا ملقى على الطريق المليء بالتراب، وقد لحقت به إصابات بالغة.
فيديو يوثق لحظة الهجوم
من هول المشهد، لم ينتبه محمد لصرخات ابن عمه الذي لمح طائرة مسيرة إسرائيلية تقترب من المكان قبل أن تطلق قنبلة انزلاقية تتيح للمشغلين تحديد الأهداف وتوجيهها بدقة عالية. وفي غضون ثوان، هوت القنبلة نحو الشارع وانفجرت على بعد أمتار قليلة من الفتى الفلسطيني الذي سرعان ما سقط شهيدا.
سقط محمد شهيدا، لكن حكايته لم ترحل معه؛ حيث التقط رفقاؤه مقطع فيديو وثق الحادثة، بحسب جريدة "ذا جارديان" البريطانية التي تحققت من صحة الفيديو، وتحدثت إلى شهود عيان وخبراء في الأسلحة، في مسعى لتسليط الضوء على أحدث غارة إسرائيلية أسفرت عن مقتل طفل في غزة.

وتنقل الجريدة عن شاهد العيان الفلسطيني الذي صور الهجوم تامر لباد قوله: "سمعنا دوي انفجار قوي وحاولنا التوجه إلى الموقع لمعرفة ما حدث. وجدنا رجلا ملقى على الأرض، والذي كان لا يزال حيا ويستغيث طلبا للمساعدة".
وتشير "ذا جارديان" إلى أن الدفاع المدني في غزة حد هوية الرجل الفلسطينية لاحقا، وتبين أنه المسعف شريف شادي لباد، مضيفة: اقترب عدد من المدنيين الآخرين من لباد بينما كان ملقى على الأرض في الشارع جراء إصابته، وكان من بينهم الطفل الفلسطيني الذي استشهد في القصف الثاني.
طائرة مسيرة في السماء
يقول محمد راجح زناتي، ابن عم الطفل محمد، لجريدة "ذا جارديان": جريت من المنزل نحو الشارع لمعرفة ما حدث، وفي طريقي، رأيت ابن عمي يخرج من المتجر. كان يركض باتجاه موقع الضربة. بدأت أصرخ عليه: "محمد، توقف!"، لكنه لم يسمعني وواصل السير. حينها، رأيت طائرة مسيرة في السماء.
ويضيف: بدأت أصرخ: اهرب! ابتعد! وفي تلك اللحظة، كان محمد قد وصل إلى الرجل المصاب. وما إن وصل إلى هناك حتى استهدفته الطائرة المسيرة. لقد أصيب محمد إصابة مباشرة في الصدر والبطن وفارق الحياة على الفور تقريبا. لم أستطع فعل أي شيء لإنقاذه.
وبحسب "ذا جارديان"، أظهر مقطع فيديو صور لاحقا جثمان محمد مسجى تحت كفن أبيض خارج مستشفى الشفاء عقب الهجوم، بينما كان والده يودعه بكلمات مؤثرة ويتلو آيات من القرآن الكريم، وغلى جواره أصدقاء محمد الذين أكدوا أنه كان محبوبا للغاية في الحي.

وقال ابن عمه: كان فتى طيبا ومؤدبا ومحترما، ومحبا للمساعدة؛ حيث كان يعاون كبار السن في الحصول على المياه من شاحنات التوزيع. وعندما قتل، خرج سكان الحي إلى الشوارع باكين عليه.
خبير أسلحة دولي: القنبلة كانت قابلة للتوجيه
تقول "ذا جارديان": لطالما نفى الجيش الإسرائيلي المزاعم التي تتهمه باستهداف المدنيين عمدا، مؤكدا أنه يقيم مخاطر إلحاق الأذى بالمدنيين ويأخذها في الحسبان عند تنفيذ الضربات. غير أن خبراء في الأسلحة اطلعوا على مقطع الفيديو أشاروا إلى أن مقتل الفتى كان من الممكن تجنبه.
وفي إشارة إلى تعمد الاحتلال الإسرائيلي استهداف الطفل الفلسطيني، يقول الباحث في شؤون النزاعات وخبير الطائرات المسيرة تريفور بول: إن القنبلة التي تظهر بوضوح قبل لحظة الارتطام من طراز "ميكوليت"، وتطلق بواسطة طائرات إسرائيلية مسيرة، وتتمتع هذه الطائرات بكاميرات عالية الجودة كان من شأنها رصد المراهق والرجل وهما يقتربان من الجثة. كما أن بعض طرازات "ميكوليت" قابلة لإعادة التوجيه نحو هدف أو نقطة أخرى أثناء تحليقها في الجو.
الاحتلال الإسرائيلي يتعمد تنفيذ ضربات مزدوجة
ويبدو أن الغارة التي أسفرت عن مقتل الطفل والمسعف تندرج ضمن النمط المعروف بـ "الضربة المزدوجة"، وهي ضربة أولى تليها ضربة ثانية تستهدف الموقع نفسه بعد وصول فرق الإنقاذ أو المارة لتقديم المساعدة للمصابين، وفق "ذا جارديان".

وفي بيان لصحيفة "ذا جارديان"، زعم جيش الاحتلال الإسرائيلي أن شريف شادي إبراهيم لباد كان "إرهابيا" وينتمي إلى قوات "النخبة" التابعة لحركة حماس، وأنه استهدف نظرا لتخطيطه لعمليات جديدة.
وعند سؤال الجيش الإسرائيلي عن سبب المضي قدما في الهجوم الثاني رغم أن الهدف كان قاصرا بشكل واضح، لم يقدم ردا مباشرا!
استهداف إسرائيلي متعمد لأطفال فلسطين
وتنقل "ذا جارديان" عن منظمة اليونيسف، استشهاد عدد آخر من الأطفال في هجمات إسرائيلية على غزة خلال الأيام الأخيرة، بمن فيهم شقيقتان (تبلغان من العمر 6 و12 عاما)؛ حيث استشهدت الفتاتان مع والديهما في غارة جوية إسرائيلية على بيت لاهيا في أثناء نومهما، واستشهاد ثلاث فتيات فلسطينيات أخريات (تتراوح أعمارهن بين 3 و8 و9 سنوات) بغارات لجيش الاحتلال.
تختلف الأسماء والوجوه، ونظل المأساة واحدة، بينما تتردد في الخلفية كلمات أم الطفلة الفلسطينية هند رجب، التي سقطت شهيدة برصاص الاحتلال قبل أن تتم عامها التاسع ملخصة حجم الكارثة: ابنتي أعدمت بـ335 رصاصة اخترقت جسد طفلة كانت قبل أيام فقط تختار كعكة عيد ميلادها وتخطط للذهاب إلى البحر؛ هذه ليست أرقاما في التقارير؛ هؤلاء بشر لهم وجوه وذكريات وحياة.. هل تعرفون كيف يشعر الطفل حين يجوع فيرسم الطعام بدلا من أن يأكله؟




