رئيس التحرير
عصام كامل

من رحلة الـ 7 أيام بالجمال إلى عصر السرعة، كيف عاش أجدادنا معجزة دخول القطار لمصر؟

أول قطارات مصر، فيتو
أول قطارات مصر، فيتو
18 حجم الخط

قبل نحو قرن ونصف، كان السفر بين أقاليم مصر رحلة كقطعة من العذاب، والتنقل من محافظة لأخرى كان يتطلب أحيانا أسبوعًا بأكمله من الإعداد والترتيب، ولم تكن هناك مواعيد محددة، بل مواسم وظروف جوية تتحكم في مصائر المسافرين؛ إذ اعتمد المصريون والتجار والأجانب بشكل كامل على الدواب من جمال وخيول وحمير للرحلات البرية، أو على المراكب الشراعية النيلية للرحلات النهرية التي كانت تتوقف تمامًا عند انخفاض المنسوب أو اشتداد الرياح المعاكسة، قبل أن يحدث تحول تاريخي في مثل هذا اليوم من عام 1856 حينما بدأ العمل في أول خط سكك حديدية بمصر بين القاهرة والإسكندرية.

قطار بخاري في مصر 
قطار بخاري في مصر، فيتو 

ما قبل السكة الحديد، أسلوب التنقل بين القاهرة والإسكندرية 

“كانت مشقة الانتقال بين القاهرة والثغر الساحلي أواسط القرن التاسع عشر تمثل عائقًا أمام تجارة القطن والحركة العمرانية، حيث ظلت القوافل والمراكب الشراعية خاضعة لمزاج الطبيعة ومواسم النيل دون أي قدرة على ضبط المواعيد أو ضمان سلامة البضائع”. يقول المؤرخ الدكتور يونان لبيب رزق في دراسة تاريخية حول  تاريخ مصر الحديث

كان الانتقال من القاهرة إلى الإسكندرية، بهدف التجارة أو التنزه والاستجمام على شاطئ البحر، يستغرق ما بين أربعة إلى سبعة أيام بلياليها عبر فرع رشيد، ينزل فيها المسافرون في خانات بدائية على ضفاف النيل، أما السفر البري عبر صحراء البحيرة فكان يستلزم تسيير قوافل محمية بالحراس لتفادي قطاع الطرق، والركوب على المراكب البرية لقطع مسافة لا تتجاوز اليوم مئتي كيلومتر، في رحلة كانت تنهك الأبدان وتكلف أموالًا باهظة لا يقدر عليها سوى كبار التجار وأعيان البلاد.

كواليس شق سكك حديدية في مصر 

مع منتصف القرن التاسع عشر، زاد إدراك العالم أن مصر هي العصب الحقيقي للتجارة الدولية بين الشرق والغرب، وتحديدًا بين بريطانيا ومستعمراتها الكبرى في الهند، وكان كوكب الأرض قد شهد ثورة صناعية غيرت وجه التاريخ؛ بعدما أطلق المهندس البريطاني جورج ستيفنسون عام 1825 أول خط سكك حديدية تجاري في العالم يربط بين مدينتي ستوكتون ودارلينجتون في إنجلترا، ولم يكد يمر عام 1830 حتى كانت القاطرة البخارية تنهي عصر الشراع والحافلات الخشبية في أوروبا وأمريكا، معلنة بداية عصر السرعة الفائقة وتقليص القارات إلى مسافات تقطع في ساعات معدودة.

وبعد مرور نحو 26 عامًا فقط على ظهور هذه التكنولوجيا في بريطانيا، وتحديدًا في عام 1851، تحرَّك حاكم مصر عباس حلمي الأول لإدخال هذه المعجزة إلى بلاده درة الشرق، حيث أدرك عباس حلمي أن بريطانيا تضع عينها على مصر لربط إمبراطوريتها بالهند؛ مما يعني أن إقامة السكة الحديد ستجعل من البلاد حلقة الوصل التجاري الأولى في العالم، فاستبق الجميع للحفاظ على السيادة المالية والسياسية على المشروع بعيدًا عن النفوذ الفرنسي المتصاعد آنذاك.

يقول الدكتور أحمد الشربيني في كتابه تاريخ مصر الاقتصادي والاجتماعي: "فكرة إنشاء السكة الحديدية كانت مناورة سياسية واقتصادية  ذكية للغاية من عباس حلمي لاستغلال التنافس الإنجليزي الفرنسي في تحيث البنية التحتية المصرية بأموال مصرية حتى تخضع للسيادة الوطنية". 

معجزات المهندس والعامل المصري في بناء السكك الحديدية

بدأت كواليس تشييد السكك الحديدية عام 1852، وخاضت الإدارة المصرية ملحمة هندسية ومالية شاقة؛ إذ دفعت الحكومة من خزينتها الخاصة التكلفة المالية الكاملة لتشغيل المشروع دون الاستدانة الأجنبية، وتعاقدت مع روبرت ستيفنسون (ابن مخترع القاطرة البخارية) لتصميم الخط، ليستورد الفولاذ من مصانع بيلكاو البريطانية.

وفي عام 1856، اكتمل العمل بالكامل وافتُتح الخط رسميًا بين القاهرة والإسكندرية، لتتحول مصر إلى ثاني دولة في العالم تدخل عصر السكك الحديدية بعد بريطانيا، متقدمة على دول عظمى كفرنسا وروسيا والدولة العثمانية.

ويدون المؤرخ عبد الرحمن الرافعي في كتابه “عصر محمد علي” كواليس المرحلة، موضحا أن الملحمة الحقيقية في جلب هذه المعجزة إلى مصر، تعود إلى سواعد العمال والفلاحين المصريين الذين تولوا أعمال الحفر، والردم، وتشييد الجسور الترابية، ومد القضبان عبر الدلتا والبراري، تحت إشراف مهندسين مصريين تخرجوا في المهندسخانة المصرية، حيث تحمل آلاف العمال قسوة العوامل الجوية ومشقة نقل مواد البناء الثقيلة يدويًا وعبر الدواب، مسجلين ملحمة هندسية تمثلت في إقامة أطول الجسور المقامة على فرعي النيل عند كفر الزيات وبنها، لتجاوز العوائق المائية المستعصية.

وأثار تدشين السكة الحديد في مصر دهشة العالم وإعجابه؛ إذ أصبحت مصر ثاني دولة في العالم تدخل عصر السكك الحديدية بعد بريطانيا، وكتبت الصحف الأوروبية، وفي مقدمتها التايمز اللندنية بذهول عن الفتيل التجاري الذي أُطلق في الشرق، مؤكدة أن تقليص زمن الرحلة بين القاهرة والإسكندرية من أيام طوال إلى سبع ساعات فقط يعد معجزة هندسية أعادت ترتيب الخريطة الجيوسياسية للعالم القديم.

عوائد تشغيل السكك الحديدية في مصر لأول مرة 

بدأ التشغيل الكلي للخط محققًا قفزة مجتمعية واقتصادية غير مسبوقة؛ إذ ربط العاصمة بالثغر الساحلي مرورًا بمحافظات القليوبية والمنوفية والغربية والبحيرة؛ مما أنعش حركة تجارة القطن المصري ونقله للموانئ بسرعة فائقة. 

وكان رواد القطارات في بداياتها يمثلون الطبقة الأرستقراطية، والمسؤولين، والقناصل الأجانب، والتجار، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى وسيلة النقل الشعبية الأولى التي دمجت أبناء المحافظات في نسيج وطني واحد ونشطت الحركة السياحية والتنزه اليومي إلى شواطئ الإسكندرية.

وتظهر الدفاتر المالية للحكومة المصرية أن هذا القطاع تحول إلى الدجاجة التي تبيض ذهبًا للخزانة العامة؛ حيث فاقت أرباحه السنوية المباشرة جميع إيرادات الطرق البرية والنهرية مجتمعة، لاسيما أن كانت جودة الخدمة كانت تضاهي أرقى الخطوط الأوروبية من حيث فخامة عربات الدرجة الأولى المبطنة بالحرير والمزودة بإنارة زيتية متطورة، وانتظام المواعيد الدقيقة، ونوعية الركاب التي جمعت بين النخب الفكرية والسياسية وكبار رجال الأعمال، ليصبح إدخال السكة الحديد ليس مجرد تحديث لوسيلة نقل، بل الشرارة الأولى لتشكيل المفهوم الحديث للدولة المصرية، بعد أن أعاد كتابة جغرافيا العمران المصري، ونقل البلاد من ركود القرون الوسطى إلى سرعة العصر الحديث.                

الجريدة الرسمية