رئيس التحرير
عصام كامل

من أكسفورد إلى الإسكندرية، نصف قرن من الحوار بين الأرثوذكس والأنجليكان

الأسقفية
الأسقفية
18 حجم الخط

في مدينة عرفت منذ القرون الأولى بأنها أحد أهم مراكز الفكر المسيحي واللاهوت في العالم، تجتمع هذه الأيام قيادات كنسية أرثوذكسية وأنجليكانية من دول عدة، في مشهد يتجاوز حدود الزيارة البروتوكولية إلى مساحة أوسع من الحوار والتعارف الكنسي.

وتستضيف الكنيسة الأسقفية في مصر هذه اللقاءات بالتزامن مع انعقاد أعمال اللجنة الدولية للحوار اللاهوتي بين الأرثوذكس والأنجليكان، المعروفة اختصارا بـ ICAOTD، في الإسكندرية، بضيافة الكرسي البطريركي لبطريركية الإسكندرية وسائر أفريقيا وبركة ورعاية البابا والبطريرك ثيودوروس الثاني.

حوار بدأ منذ 1973.. من الخلافات العقائدية إلى قضايا الإنسان والكنيسة

القصة تعود إلى عام 1973، عندما بدأ الحوار الرسمي بين الكنائس الأرثوذكسية والأنجليكانية في أكسفورد، بهدف بحث نقاط الاختلاف والاتفاق في العقيدة والكنيسة والأسرار والتقليد المسيحي.

وخلال مراحله الأولى صدرت وثيقتان أساسيتان، بيان موسكو عام 1976 وبيان دبلن عام 1984، قبل أن يعاد تشكيل الحوار عام 1989 تحت اسم اللجنة الدولية للحوار اللاهوتي بين الأرثوذكس والأنجليكان ICAOTD.

ومع انتقال الحوار إلى مرحلة أكثر عمقا، اتجهت المناقشات إلى طبيعة الكنيسة وعلاقتها بالثالوث، وشخص المسيح والروح القدس، ثم تناولت قضايا الخدمة الكهنوتية والأسقفية والأولوية والمجمعية، إلى جانب موضوعات تتصل بمكانة الإنسان والحياة والقضايا الأخلاقية المعاصرة.

وفي عام 2006 صدر بيان قبرص «كنيسة الله الثالوث»، الذي قدم معالجة موسعة لقضايا علم الكنيسة.

وفي السنوات الأخيرة، لم يعد الحوار محصورا في الملفات العقائدية التقليدية، بل امتد إلى قضايا الإنسان ومواجهة التحديات الأخلاقية في العالم المعاصر.

وناقشت اللجنة موضوعات مثل فهم الإنسان باعتباره على صورة الله، والقضايا المرتبطة بالبيئة والرعاية في نهاية الحياة، فيما ركز اجتماع عام 2025 في ويلز على رسالة الكنيسة وشهادتها وتلمذتها في العالم المعاصر، بالتزامن مع مرور 50 عاما على انطلاق الحوار.

وتكتسب الاستضافة المصرية دلالة خاصة في هذا السياق، فالحضور الأنجليكاني في مصر يعود إلى عام 1819 مع وصول أول مبشري جمعية الإرساليات الكنسية، بينما تعد كنيسة القديس مرقس بالإسكندرية أول كنيسة أنجليكانية في مصر، وقد كرست في 17 ديسمبر 1839.

ومن الإسكندرية والقاهرة توسع الوجود الأنجليكاني تدريجيا، وصولا إلى تأسيس أبرشية مصر والسودان عام 1920، ثم قيام إقليم الإسكندرية للكنيسة الأسقفية والأنجليكانية عام 2020 بوصفه الإقليم الحادي والأربعين في شركة الكنائس الأنجليكانية.

ولهذا تبدو جولة الوفد داخل كاتدرائية القديس مرقس الأسقفية وكلية اللاهوت الأسقفية أكثر من مجرد محطة في برنامج الزيارة، فهي تضع الحوار الحالي أمام خلفية تاريخية تمتد لما يقرب من قرنين من الوجود الأنجليكاني في مصر، وتكشف كيف تحولت الإسكندرية مرة أخرى إلى مساحة يلتقي فيها التاريخ الكنسي بالتعليم اللاهوتي والحوار بين التقاليد المسيحية.

ومن المهم التمييز هنا بين هذا المسار وبين الحوار الأنجليكاني مع الكنائس الأرثوذكسية الشرقية غير الخلقيدونية، ومنها الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، فهذا مسار آخر يعرف باسم اللجنة الدولية للحوار بين الأنجليكان والأرثوذكس الشرقيين AOOIC، وقد حقق بدوره بيانات مشتركة حول المسيح والروح القدس والمجامع المسكونية.

وفي الإسكندرية، حيث تتجاور ذاكرة الكنيسة الأولى مع حضور الكنائس المعاصرة، يكتسب اجتماع ICAOTD معنى يتجاوز جلسات الحوار نفسها، إذ يجمع ممثلين عن تقاليد كنسية مختلفة حول البحث عن مساحات الاتفاق، وفهم نقاط الاختلاف، وبناء علاقات أعمق بين الكنائس، في حوار بدأ قبل أكثر من نصف قرن وما زال مستمرا.

الجريدة الرسمية