رئيس التحرير
عصام كامل

تناسوا قوائم التكفير، شهادة إيناس الدغيدي تفضح زيف مؤتمرات الإخوان بالخارج

إيناس الدغيدي
إيناس الدغيدي
18 حجم الخط

«فكرتُ بجدية في مغادرة مصر بعدما أصبحت حياتي وحياة ابنتي تحت التهديد المباشر».. ربما فات على أصحاب المؤتمر الإخواني بالخارج الذي يدعي إنقاذ مصر انتصارًا للحريات، متابعة مثل هذه الكلمات التي اختصرت بها المخرجة إيناس الدغيدي فترة قاسية عاشتها الثقافة والفنون في مصر عقب ثورة يناير 2011 وأثناء فترة حكم جماعة الإخوان، ولم تكن شهادة الدغيدي مجرد انطباع شخصي، بل كشفت عن جانب مظلم شمل قوائم إرهاب واغتيالات أعدتها تنظيمات جماعات العنف السياسي لحصر خصومها الفكريين والسياسيين.

قائمة اغتيالات حكم الإخوان 

 

تذكر الدغيدي أن اسمها أدرج في المرتبة الثالثة على قائمة اغتيال سرية صادرة عن جماعة تدعى الوعد محسوبة على تنظيم الإخوان، ضمت قيادات سياسية وشخصيات عامة، وجاء اسمها بعد الرئيس الأسبق حسني مبارك، وشيخ الأزهر الشريف الدكتور أحمد الطيب، بحجة نشر الفسق والفجور عبر أعمالها السينمائية. 

ما تقوله إيناس الدغيدي سبق وقدم الإعلامي الراحل وائل الإبراشي ملفًا وثائقيًا يتجاوز 40 صفحة يكشف أبعاد هذا التنظيم ورسائله، ولم تتوقف التهديدات عند الورق، بل تجسدت ميدانيًا بترك صورة للرئيس الراحل أنور السادات في جراج منزلها ممهورة بسلاح وكلمة المصير، تلاها ملاحقة ملثمين لها على متن دراجة نارية داخل الجراج، مما دفعها للاستعداد للعيش خارج مصر، وتهريب ابنتها للدراسة خارج البلاد خوفًا على حياتها.

 "القوائم" تحول الدراما الميدانية إلى تصفية معنوية

حادثة المخرجة الشهيرة لم تكن سوى رأس الجليد في ظاهرة اتسعت رقعتها بسرعة الصاروخ عقب ثورة يناير، حيث تحول سلاح القوائم من مجرد منشورات سرية تتداول في الخفاء إلى أداة ترهيب علنية تستهدف إرباك الشارع وشل حركة النخب.

 وفي تلك الأيام شديدة الارتباك، انقسمت هذه القوائم إلى مسارين؛ الأول اتخذ طابع الملاحقة الجسدية المباشرة، عبر خلايا تنتمى لتنظيمات متطرفة مثل أنصار بيت المقدس ومجموعات "حازمون" والفرق النوعية، والتي وضعت القضاة والضباط والإعلاميين في مرمى الاستهداف المباشر.

أما المسار الثاني، فكان بمثابة تصفية معنوية ومدنية قادها شيوخ ودعاة عبر شاشات الفضائيات وصفحات التواصل الاجتماعي.

 لم يتردد هؤلاء في إطلاق ما سمي بـ القوائم السوداء وقوائم العزل الشعبي، داعين الشارع لمقاطعة ومحاصرة كل من يجهر برفض مشروع أخونة الدولة أو يدافع عن مدنية المجتمع، ليجد الفنانون والسياسيون أنفسهم يخوضون معركة يومية لحماية حريتهم وأرواحهم.

شاشات التحريض والمنابر، أبطال عصر التكفير العلني

تجلت الخطورة الحقيقية في تحول هذا التهديد إلى خطابة يومية تمتلك منابر وإعلامًا موجهًا.

 فقد برزت شخصيات تحريضية أخذت على عاتقها رسم خطوط الفرز والتكفير؛ حيث أطل القيادي صفوت حجازي بتهديدات متكررة عبر المنصات بتشكيل محاكم شعبية وإعداد قوائم بالخصوم السياسيين، بينما تولى عاصم عبد الماجد، القيادي بالجماعة الإسلامية، مهمة شحن الجماهير ضد المفكرين والفنانين من فوق منصة رابعة، واصفًا إياهم بأعداء الهوية، وذلك وفقا لتقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان (2013) الذي رصد خطابات الكراهية والتحريض على العنف والتمييز واستخدام المنصات الإعلامية والدينية لإقصاء الخصوم السياسيين والنخب الثقافية.

وعلى شاشات القنوات الفضائية التي انتشرت بكثرة وقتها، مثل "الحافظ" و"الناس"، تحولت برامج يقدمها شخصيات مثل عبد الله بدر وخالد عبد الله إلى مقار لإعلان قوائم بأسماء فنانين وسياسيين بارزين، في مقدمتهم إلهام شاهين، وعادل إمام، ومحمد البرادعي، وحمدين صباحي. 

 

وتوزعت الاتهامات بين الخيانة العظمى وإشاعة الفاحشة، في محاولة ممنهجة لإرهاب الوسط الفني والسياسي وإجبار القيادات الفكرية على الانزواء أو الفرار خارج البلاد.

أمام هذا الطوفان من الترهيب، لم يستسلم الوسط الثقافي والحقوقي، بل شهدت تلك الفترة ملحمة من التضامن الشعبي والنقابي؛ حيث قادت نقابات الصحفيين والمحامين والمهن التمثيلية والسينمائية جبهة دفاع قانونية وميدانية حاشدة، وتوافد المئات من المبدعين والمواطنين أمام المحاكم والنيابات للتضامن مع الشخصيات المستهدفة، وتشكيل دروع بشرية لحماية حرية الإبداع. 

وظلت هذه الملاحقات والمواجهات الميدانية تشتعل يومًا بعد يوم، حتى اندلعت ثورة 30 يونيو 2013 لتقتلع منصات الشحن والتكفير من جذورها، وتغلق ملف القوائم السوداء التي كادت تعصف بهوية المجتمع المصري.

الجريدة الرسمية