تزامنا مع تطييب البابا جسد القديس أبو فانا، دير آفا ڤيني يحكي قصة قرون من الرهبنة في صحراء ملوي
في المكان الذي اختار فيه القديس أبو فانا أن يعيش وحيدا في البرية، ظل اسمه حاضرا بعد قرون طويلة، وبقي الدير الذي حمل اسمه شاهدا على واحدة من أقدم صفحات الرهبنة في صعيد مصر. واليوم، يتجدد المشهد الروحي في دير آفا ڤيني المعروف باسم دير ابو فانا بملوي، بالتزامن مع صلوات تطييب جسد شفيع الدير، وبحضور قداسة البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية الذي يترأس القداس الإلهي بالدير.
لكن حكاية أبو فانا لا تبدأ من اليوم، ولا تختصر في جدران كنيسة اثرية، وإنما تمتد إلى القرن الرابع الميلادي، عندما ظهرت في صحراء ملوي تجربة رهبانية ارتبطت باسم القديس أبو فانا المتوحد.
من هو أبو فانا؟
يعد القديس أبو فانا، او آفا ڤيني كما يعرف في التراث القبطي، واحدا من قديسي الرهبنة المصرية في القرن الرابع. اختار حياة الوحدة والنسك في البرية، ومع الوقت التف حوله عدد من التلاميذ، ونشأت في المنطقة حياة رهبانية أصبحت لها مكانتها بين مراكز الرهبنة في صعيد مصر.
ومن حياة هذا الناسك خرج اسم الدير الذي ظل مرتبطا به حتى اليوم، ليصبح المكان المعروف باسم دير أبو فانا واحدا من الشواهد الباقية على بدايات الرهبنة المنظمة في مصر.
دير عمره قرون
يقع دير أبو فانا في البرية الغربية بالقرب من قرية هور في نطاق مركز ملوي بمحافظة المنيا، ويضم منطقة أثرية تحمل بقايا الدير القديم إلى جانب الدير الحديث. وتشير المصادر التاريخية والكنسية إلى أن جذور الحياة الرهبانية في الموقع تعود الى القرن الرابع، بينما يرجع مبنى الكنيسة الأثرية الحالية الى القرن السادس الميلادي.
وكان الدير على مدار قرون مركزا لحياة رهبانية نشطة، حتى إن المصادر تذكر ازدهاره واستمرار الحياة الرهبانية فيه لقرون طويلة قبل ان تبدأ احواله في التراجع.
الرمال تخفي الدير
وكما تغيرت أحوال المكان عبر الزمن، تراجعت الحياة الرهبانية تدريجيا، خاصة بعد أحداث عام 1365، حتى قل عدد الرهبان، وبدأت الرمال تزحف على مباني الدير وتغطي أجزاء منها.
وبقي المكان لسنوات طويلة تحت تأثير عوامل الزمن والطبيعة، قبل أن تبدأ محاولات الكشف عنه والعناية به من جديد. وتشير المصادر إلى جهود القمص متياس جاب الله، كاهن كنيسة ابو فانا بقصر هور في أواخر القرن التاسع عشر، في ازالة الرمال والكشف عن أجزاء من الدير وتهيئته للصلاة.
الكنيسة الأثرية.. ذاكرة المكان
وتعد الكنيسة الاثرية واحدة من أهم مكونات الدير، بما تحمله من قيمة معمارية وفنية وتاريخية. وقد شهدت المنطقة اعمال تنقيب ودراسات اثرية كشفت عن أجزاء من التجمع الرهباني القديم، بينما شهدت الكنيسة في السنوات الأخيرة أعمال ترميم وتأهيل للحفاظ عليها.
وتشير وثائق كنسية إلى أن أعمال التنقيب الأثرية في المنطقة استمرت عدة سنوات، وكشفت عن بقايا أخرى من الدير القديم، بالتوازي مع جهود إعادة إحياء الحياة الرهبانية في المكان.
من الدير القديم الى الحياة الرهبانية الحديثة
لم تتوقف قصة أبو فانا عند الآثار. ففي العصر الحديث عادت الحياة الرهبانية الى المكان من جديد، حتى اعترف المجمع المقدس للكنيسة القبطية الارثوذكسية رسميا بدير القديس ابو فانا المتوحد عام 2004، لتستعيد المنطقة حضورها كدير عامر بالرهبان الى جانب المنطقة الاثرية.
وهكذا أصبح المكان يحمل صورتين في وقت واحد: دير قديم يحكي تاريخ الرهبنة المصرية، ودير حديث تستمر فيه الحياة الرهبانية والصلاة حتى اليوم.
تطييب جسد القديس.. لقاء بين الحاضر والتاريخ
وتأتي صلوات تطييب جسد القديس ابو فانا لتمنح المكان خصوصية روحية مضاعفة، فالقديس الذي حمل الدير اسمه لا يزال حاضرا في ذاكرة المكان وفي صلوات رهبانه وزائريه.
وقد شهد الدير في مناسبات سابقة صلوات تطييب جسد القديس، بحضور مطران ملوي وعدد من الاساقفة والرهبان والكهنة، وسط مشاركة أبناء المنطقة وزوار الدير.
واليوم، ومع حضور قداسة البابا تواضروس الثاني وترؤسه القداس الإلهي في دير أبو فانا، يعود اسم القديس والدير إلى الواجهة في مشهد يجمع بين الصلاة والتاريخ.
ففي هذا المكان، لا تبدو الكنيسة الاثرية مجرد مبنى قديما، ولا تبدو الرمال التي غطت أجزاء من الدير مجرد أثر من آثار الزمن. كل حجر هنا يحكي عن رهبان عاشوا في البرية، وعن قديس اختار الوحدة، وعن دير ظل حاضرا رغم تغير القرون.



